87cb1f39-4a5b-4918-ae44-2cf2540922cd.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

سامح راشد

تتم الاستثمارات الناجحة في أسواق تتمتع بالشفافية، وتوفر حرية المنافسة، واستقرار وفعالية القوانين التي تحمي نشاط المستثمر، وتضمن له أمواله. ولا يخفى عن تركي آل الشيخ أن صناعة الرياضة في مصر غير احترافية، وأن القواعد الأساسية لنجاح الاستثمار الرياضي مفقودة.

في عالم تسوده العولمة وثورة الاتصالات، صارت بعض البطولات الرياضية المحلية تحظى بمتابعة مليارات المشاهدين في مختلف بقاع الأرض. وشأن أي مجالٍ يتمتع بإقبال وطلب جماهيري، تحولت الرياضة إلى مجالٍ جاذبٍ للاستثمارات، وهدف تجاري لكياناتٍ عابرة للحدود. سواء إعلامية تستثمر في نقل البطولات، وتتنافس على حقوق البث، أو استثمارات مباشرة في أندية وفرق رياضية. وشهدت الأعوام الأخيرة شراء مستثمرين خليجيين فرقا رياضية أو أندية كاملة، مثل مانشستر سيتي وباريس سان جيرمان. وكان مستثمرون من لبنان ومصر قد سبقوا إلى اختراق هذا المجال في بلجيكا والولايات المتحدة.
إذا، لم يكن تركي آل الشيخ أول من يستثمر أمواله في المجال الرياضي. وعندما وقع اختياره على مصر للاستثمار فيها، برّر ذلك بأن السوق المصري كبير وواعد، وهو تبرير صحيح ومنطقي. وحتى هنا، لا ضرر ولا ضرار.
ليس الأمر بهذا التبسيط، فللاستثمار قواعد لا تختلف، في أسسها العامة، حسب نوع الاستثمار ومجاله. من أبرزها أن الربح هو الغاية النهائية لأي استثمار. وأن الاستثمارات الناجحة تتم في أسواق تتمتع بالشفافية، وتوفر حرية المنافسة، واستقرار وفعالية القوانين التي تحمي نشاط المستثمر، وتضمن له أمواله. وبالتأكيد، لا يخفى عن آل الشيخ أن صناعة الرياضة في مصر لا تزال غير احترافية، وأن تلك القواعد الأساسية لنجاح الاستثمار الرياضي، مفقودة، أو على الأقل لم تستقر بعد.
وما قام به تركي من نشاط وتحرّكات يتنافى جذرياً مع أبسط قواعد الاستثمار والمنافسة. فبعد أن قام بشراء ناد ولاعبين ومدربين وأطلق قناة رياضية خاصة به. راح تركي يقدم ملايين الجنيهات هدايا لأنديةٍ منافسة للنادي الذي يملكه (!)، وقبلت أندية الهدية ورفضتها أخرى.
وبعد أن كان الرجل يتغزّل في النادي الأهلي وقدم له ملايين بصفته “عاشقا للقلعة الحمراء”، استفزّه صمت مجلس إدارة الأهلي إزاء اعتراضات الجمهور على تضخم دوره، فغادر مغاضباً وسارع إلى دعم نادي الزمالك، المنافس الأكبر للأهلي. أي أنه أدار بوصلة العشق والانتماء من أحد القطبين إلى الآخر، هكذا ببساطة.
هو ليس مثل عرب آخرين يمتلكون أندية في أوروبا وغيرها، يقصرون نشاطهم عليها ويوجّهون أموالهم لها حصراً. ولا هو مثل كثيرين من أغنياء الخليج العاشقين أندية مصرية شهيرة، فيدعمونها من دون شروط ومن دون تنقّل بينها.
تتجاوز مشكلة تركي آل الشيخ في مصر هذا السلوك المتذبذب الذي لا يجسّد توجهاً استثمارياً، ولا يعكس انتماءً أو تشجيعاً لناد بعينه، فهو ليس مستثمراً عادياً أو مجرد رجل أعمالٍ يبحث عن الربح، بل مسؤول رسمي يتولى شؤون الرياضة في السعودية، ويترأس الاتحاد العربي لكرة القدم. ولا يمكن النظر إليه بمعزلٍ عن موقعه الرسمي الذي يضفي على تحرّكاته صبغة رسمية، أو على الأقل يوحي بذلك.
كما تمنحه مناصبه الرسمية امتيازات غير متكافئة مع منافسيه، أو ما يسمّى، بلغة الاقتصاد والإدارة، “تضارب مصالح” بين ملكيته الخاصة لنادٍ مصري أو دعمه ناديا آخر في مصر، ومهامه مسؤولا عن الرياضة في السعودية، ورئيسا للاتحاد العربي لكرة القدم. وقد تجلى ذلك التعارض بفجاجة، عندما توقفت مباراة كرة قدم عشر دقائق بأمر من تركي، بداعي تمكين بعض مسؤولي نادي الزمالك من الدخول ومتابعة المباراة. حدث ذلك مساء الجمعة الماضي في مباراة الزمالك والقادسية الكويتي ببطولة الأندية العربية. تُرى، ماذا يمكن أن يحدث في مباراةٍ أحد طرفيها فريق سعودي أو الفريق المصري المملوك لتركي آل الشيخ؟
دخل تركي آل الشيخ مصر رافعاً شعار الاستثمار الرياضي، لكن تصرفاته لا تجسّد غرض الاستثمار الحقيقي، ولا تعبر عن روح رياضية خالصة.

إعجاب تحميل...