العلاج بالقرآن

اعتقد البعض أن في القرآن شفاءً من أمراض عضوية، كالسرطان، والفشل الكلوي، والفيروسات، وغيره. صحيح هو كلام، لكن لأنه كلام الله، فله قدرات خاصة، والتبس بهذا الاعتقاد إجراءات وطقوس خرافية، كقراءة القرآن على مياه، ثم شربها، أو قراءة القرآن على حجاب، ثم ارتداؤه.

يقول الشعراوي: هل شفاء القرآن شفاء معنوي لأمراض القلوب وعلل النفوس أم شفاء للماديات ولأمراض البدن أيضًا؟

والرأي الراجح – بل المؤكد – الذي لا شك فيه أن القرآن شفاء للماديات كما هو شفاء للمعنويات(1)!

واستدلوا بقوله تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا). و(قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ).

أولًا: لا يمكن تفسير آيات القرآن اجتزاءً وبترًا من سياقها، وإلا وقع القرآن في تناقض، وتنافر، واستُخدم لغير مراده. وأهم قرينة تسوق المفسر للتفسير الصحيح هي مراعاة السياق. وسياق الآيتين السابقتين، بل سياق القرآن كله لم يشر إلى الأمراض العضوية، إلا في تشريعات قليلة، وإنما كل اهتماماته، وإشاراته، وإسقاطاته هي الشفاء من الأمراض المعنوية كالجهل والكفر والضلال، وحين ذكر المرض قصد به مرض القلوب، (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا)، (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ).

ثانيًا: اتفق الفقهاء على قاعدة: يُحمل المطلق على المقيد.

فالآيتان السابقتان ذكرتا كلمة الشفاء مطلقة، لكن في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) بيَّن أن الشفاء (لما في الصدور)، أي أنه شفاء معنوي، يحمل الهداية للضالين، والنور للمتخبطين. وبذلك فالشفاء (المطلق) يُحمل على الشفاء (المقيد بالأمراض المعنوية).

ثالثًا: لو افترضنا أن القرآن شفاء للأمراض المادية، فأي منهجية نستخدمها للعلاج؟ فأي آية تعالج أي مرض؟ وكيف تتم خطوات التداوي؟ ولو كان القرآن شافيًا، فلماذا نلجأ للطب؟ ولماذا لجأ النبي نفسه لأطباء؟

رابعًا: لو كانت كلمات القرآن شافية مدمرة للبكتيريا والفيروسات، فكيف تكون شفاء للمؤمنين فقط؟ فتركيب الجسد لا يختلف بين مؤمن وكافر، والأمراض البدنية لا تختلف أيضًا حين تصيب مؤمن أو كافر، فكيف يصبح الدواء الواحد للمرض الواحد شافيًا للمؤمن دون الكافر؟

أما لو كان المقصود: شفاء من الضلال والانحراف، فهو بلا شك علاج لمن آمن به، واختار الهدى، واتبع الحق.

ونجد المفسرين القدامى يفسرون الشفاء في الآية بأنه معنوي.

فيقول ابن كثير: (شفاء ورحمة للمؤمنين) أي: يُذهِب ما في القلوب من أمراض، من شك ونفاق، وشرك وزيغ وميل، فالقرآن يشفي من ذلك كله(2).

ويقول الطبري: وننزل عليك يا محمد من القرآن ما هو شفاء يستشفى به من الجهل من الضلالة، ويبصر به من العمى للمؤمنين(3).

الرقية:

ينسب كثيرون أحاديث عن النبي تقر أنه أقر الرقية بالقرآن، وأنه هو نفسه استخدم الرقية بالقرآن للاستشفاء من المرض.

لكن أغلب أحاديث الرُقى لم تصح، وما صح منها لا يتخطى سوى أدعية لله تعالى للاستشفاء من المرض. مثل: اللهم رب الناس، مُذهِب البأس، اشف أنت الشافي، لا شافي إلا أنت، شفاء لا يغادر سقمًا.

لذلك قال محمود شلتوت: الرقية دعاء لا دواء؛ الرُّقى بالأدعية تُفسَّر على نوع من الدعاء، ولا تُقبل على أنها دواء للمريض من الداء، فللأدواء علاجها مما خلق الله من العقاقير(4).

***

ويقول القرضاوي: لم يُعرَف عن الصحابة وتلاميذهم أنهم انشغلوا بمداواة الناس بالقرآن وترك أدوية الأطباء. لم يفتح عمر ولا علي ولا ابن عباس ولا غيرهم من أهل القرآن وعلماء الأمة عيادات لمداواة المرضى وعلاجهم بالآيات القرآنية، كما يفعل بعضهم اليوم.

بل قال النبي: إنما الشفاء في ثلاث: شربة عسل، أو شرطة محجم، أو كية نار.

وقد تداوى النبي بالأدوية المعروفة المختلفة، وأمر أصحابه بالتداوي بها، وقد أرشد بعض أصحابه للذهاب إلى الحارث بن كلدة، الطبيب العربي المعروف، يطلب العلاج عنده.

ولو أن المسلمين الأوائل ساروا على طريق هؤلاء الأواخر، الذين فتحوا (عيادات) يزعمون أنهم يعالجون الناس فيها بالقرآن، ما قامت للطب قائمة في الحضارة الإسلامية، ولا ظهر في الأمة عباقرة الأطباء، الذين طبقت شهرتهم الآفاق وكانت كتبهم مراجع علمية عالمية لعدة قرون، ومنهم من جمع بين علم الطب وعلم الدين.

لقد عرف المسلمون منذ عصر الصحابة أن بركة القرآن ليست في حمله ولا تعليقه ولا تزيين البيوت به، ولا في الاستشفاء بآيات يتلوها شيخ أو مطوع، أو يكتبها في صحن ثم يمحوها ويشرب ماءها، الخ هذه الغرائب .. إنما بركة القرآن في اتباعه والعمل به، وهو ما ذكره القرآن نفسه حين قال: وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.(5).

ويقول محمود شلتوت: إن الأمراض البدنية قد خلق الله لها عقاقير طبية فيها خاصة الشفاء، وأرشد إلى البحث عنها والتداوي بها.

القرآن لم ينزله الله دواء لأمراض الأبدان، وإنما أنزله كما قال دواء لأمراض القلوب وشفاء لما في الصدور.

وإذا كانت أمراض الأبدان أمراضًا مادية وشفاؤها بأدوية مادية، فأمراض القلوب أمراض معنوية، وشفاؤها بأدوية معنوية. والقرآن قد عالج مرض الجهل بالعلم، ومرض الشبهة بالبرهان، ومرض الشهوة بالحكمة(6).

ويقول محمد رشيد رضا: يصح كون هذا سببًا لهذا، إذا كان بينهما اتصال بالتأثير والتأثر، مثلاً بحيث ينتفي وجود الثاني لانتفاء الأول، ويوجد بوجوده إذا انتفت الموانع. ولم يثبت بالتجارب الصحيحة المطردة أن تلاوة القرآن الكريم، أو كتابته في الصحف تُحمل، أو الصحاف يؤكل منها ويُشرب، سبب للشفاء من الأمراض وقضاء الحوائج، ولو ثبت لاستغنى به الناس عامة أو المسلمون خاصة عن الطب والأطباء، وعن اتخاذ الأسباب والوسائل المعروفة لسائر الحاجات والمصالح. فهذا دليل عقلي في الموضوع.

ودليل ثانٍ على ذلك: وهو أنه لو أنزل القرآن لأجل المنافع الحسية الجسدية كما نزل لأجل الهداية لذكر فيه ذلك، وعُدَّ من المعجزات؛ لأنه يكون خارقًا للعادة ولتحدى النبي بذلك، ولكن شيئًا من ذلك لم يكن، ولم يذكر العلماء في وجوه إعجاز القرآن ما ذكر، ولم يعلم أن الصحابة أو الأئمة احتجوا على منكر بذلك(7).

الطب النبوي

لم يُعرف مصطلح (الطب النبوي) في عهد النبي ولا الصحابة، وإنما ظهر مؤخرًا، في القرن الرابع الهجري، وقد خصص الإمام علي بن موسى الرضا (203 هـ) أول كتاب عن أقوال النبي الطبية، لكن لم يصلنا، ومن بعده كتب أبو بكر بن السني (364هـ) كتاب (الطب في الحديث)، وكتب أبو عبيد بن الحسن الحراني (369هـ) كتاب (الطب النبوي)، وتوالت المصنفات بعدئذ بهذا الاسم لأبي نعيم الأصفهاني (430هـ)، وأبي العباس المستغفري (432هـ)، وأبي القاسم النيسابوري (406هـ)، وغيرهم وصولًا إلى القرنين الثامن والتاسع الهجريين، إذ نجد مصنفات للذهبي (748هـ)، وابن قيم الجوزية (751هـ)، ثم السخاوي (902هـ)، والسيوطي (911هـ) وغيرهم.

ومنها اعتبر البعض هذه الوصفات الطبية دينية، وحي من عند الله، وبالتالي هي محل ثقة تامة، فيلجأون إليها دون الرجوع للطبيب! كما أنها تمثل إعجازًا علميًا؛ إذ سبق الوحي أحدث الاكتشافات العلمية!

ومن جهة أخرى تصيَّد البعض أخطاء طبية في هذه الأحاديث، وبذلك يراها دليلًا على بطلان هذا الدين بالكلية، فكيف يأمر نبي بأدوية خاطئة؟ ونبيكم قال إن التمر يشفي من السم، فها هو التمر وذاك السم، فكلوا التمر واشربوا السم، وإن شفاكم, آمنا برسولكم!

أقوال النبي في هذا الباب يمكن تصنيفها لقسمين:

نصائح عامة بالتداوي والنظافة العامة، كالحث على غسل الأسنان بالسواك، والأمر بالتداوي، وإعطاء الجسد حقه. وهي تفيد عناية الإسلام بالجسد، وليست محل خلاف.

ووصفات طبية للتداوي من الأمراض، كالحجامة، والعلاج ببول الإبل، وقوله: لا عدوى، وأن التمر يقي من السم… إلخ. هذا القسم هو ما نبحث عن مصدره.

وحي الله أم اجتهاد الرسول؟

يعتقد كثيرون أنه بمجرد نسبة قول أو فعل للنبي، فهو دليل أنه وحي ديني وتشريع مُلزِم، لكن العلماء قد قسَّموا أقوال النبي إلى قسمين: تشريعي وغير تشريعي.

يقول الإمام الدهلوي: اعْلَم أن ما رُوي عن النبي، ودُّوِّن في كتب الحديث على قسمين:

أحدهما ما سبيله سبيل تبليغ الرسالة، وفيه قوله تعالى: (وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا)، ومنه علوم المعاد، وعجائب الملكوت، وهذا كله مستند إلى الوحي.

وثانيهما ما ليس من باب تبليغ الرسالة، وفيه قول النبي: إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي، فإنما أنا بشر، فمنه الطب، ومنه ما فعله النبي على سبيل العادة دون العبادة، وبحسب الاتفاق دون القصد، ومنه ما ذكره كما كان يذكره قومه(8).

وقد اتفق مع هذا التقسيم الإمام القرافي(9)، ومحمود شلتوت(10)، وابن عاشور(11)، والقرضاوي، ومحمد عمارة، وغيرهم.

طب نبوي أم طب العرب؟

بعد أن عرفنا أن أقوال النبي منها الوحي الديني، ومنها الاجتهاد البشري، فهل أقوال النبي الطبية هي تشريع ديني أم اجتهادات بشرية؟

هنا نعود لدور النبي الديني، فقد حددت آيتان وظيفة النبي الدينية:

(رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ).

ومن ذلك يتبين أن وظيفة النبي الدينية تشمل: تبليغ القرآن، وتعليمه، والحكمة، والتزكية. وهي وظائف لا تشمل إطلاقًا المجالات التخصصية، كالطب، أو الزراعة؛ فلم يوحِ الله إلى نبيه وصفة طبية، أو طريقة زراعية، أو نظرية علمية، وليس هذا دور النبي ولا المنتظر منه.

وعلاوة على ذلك نجد عدة مؤشرات تشير إلى أن هذه الوصفات الطبية جاء بها النبي اجتهادًا واكتسابًا من عادات قومه:

روى البخاري ومسلم قول النبي: إن كان في شيء من أدويتكم خير، ففي شرطة محجم، أو شربة عسل، أو لذعة بنار توافق الداء(12)، وفي ذلك يقول النبي: أدويتكم، فينسب الطرق العلاجية إلى ما تعاهد عليه الناس، وليست وحي من الله.

وروى مسلم قول النبي: لقد هممت أن أنهى عن الغيلة، حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك، فلا يضر أولادهم(13).

الغيلة: هي جِماع الرجل زوجته وهي مُرضِع، والحديث واضح الدلالة أن النبي يبحث في عادات قومه عن النافع المفيد، ويرشد الناس إليه، وإن وجد في غيره نفع، عاد عن رأيه.

يقول خالد محمود: كان النبي يجتهد رجاء التوصل إلى الفائدة، فإذا غلب على ظنه الفائدة في أمر، أرشد الناس إليه، ويتضح ذلك في قوله: تداووا بألبان البقر؛ فإني أرجو أن يجعل الله فيها شفاء؛ فإنها تأكل من كل الشجر، فغلب على ظنه أن في ألبان البقر شفاء، لكونها تأكل من كل الشجر، ولعله شبهه بالعسل الذي يأكل نحله من كل الثمرات، فيكون فيه شفاء للناس. ثم تأتي رواية يذكر راويها: ألبان البقر شفاء! وقد عرفنا أن هذا الخبر ليس من الوحي بدلالة الرواية الأخرى(14).

ومما يؤكد أن هذه الوصفات نقلها النبي عن عادات قومه، أنها كانت موجودة قبل نزول الوحي، فلم يبتدعها الوحي. فتعود الحجامة مثلًا لعصر اليونان؛ إذ كانوا يعتقدون أن تخليص الجسم من الدم الزائد يحسن الصحة!

وقد كان النبي نفسه يأمر باللجوء للطبيب في حضرته، فقد روى مالك أن رجلًا في زمان رسول الله أصابه جرح، فاحتقن الجرح الدم، وأن الرجل دعا رجلين من بني أنمار، فقال لهما رسول الله: أيكما أطب؟ فقالا: أو في الطب خير يا رسول الله؟ فقال النبي: أنزل الدواء الذي أنزل الأدواء(15).

وفي رواية أخرى: دخل رسول الله على مريض يعوده فقال: أرسلوا إلى طبيب. فقال قائل: وأنت تقول ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم، إن الله عز وجل لم ينزل داء إلا أنزل له دواء(16).

فلو كان الطب ينزل على النبي، لعالج المرضى دون احتياج لأطباء غيره، إلا أنه أعلن أن العلاج ليس من اختصاصاته، وإنما هو اختصاص الطبيب.

وقد عُرف عن عائشة تعلمها الطب، وحين سُئلت: ممن تعلمتِ الطب؟ قالت: إن رسول الله كان يسقم عند آخر عمره، وكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه، فتنعت له الأنعات، وكنت أعالجها له(17).

يقول ابن خلدون: وكان عند العرب من هذا الطب كثير، وكان فيهم أطباء معروفون كالحارث بن كلدة وغيره. والطب المنقول في الشرعيات من هذا القبيل، وليس من الوحي في شيء، وإنما هو أمر كان عاديًا للعرب.

ووقع في ذكر أحوال النبي من نوع: ذكر أحواله التي هي عادة وجبلة. فإنه (صلى الله عليه وسلم) إنما بُعث ليعلمنا الشرائع، ولم يُبعث لتعريف الطب ولا غيره من العاديات(18).

وحين ذكر الإمام الدهلوي أقوال النبي غير التشريعية قال: ومنها الطب(19).

ويقول القرضاوي: هذه الوصفات الطبية قالها النبي بحكم كونه عربيًا، يتعلم من قومه(20).

ويقول خالد محمود: ولا عجب في كون الرسول معتقدًا لشيء من أمور الدنيا على خلاف ما هو عليه، أو يُخيل إليه من أمورها ما لا حقيقة له، لأنه في غير النبوة بشر من ذاك الزمان والمكان، ولا عيب أنه لم يكن يعلم المكتشفات العلمية التي حدثت على مر الزمان بعده، فلم يكن يعلم بأمر جراثيم الأمراض التي عليها قوام الطب اليوم، ولا المضادات الحيوية، ولا العمليات الجراحية، ولا نقل الدم، ولا تسبب الخلل الكيميائي في الجسم في الأمراض النفسية، إلى آخر ما تطور إليه الطب، فكان يعيش كأبناء ذلك الزمان، يأكل ويشرب ويسكن ويركب ويتداوى مثلهم(21).

اعتراض: روى البخاري أنه جاء رجل إلى النبي فقال: إن أخي استطلق بطنه (يقصد وجود إسهال). فقال: اسقه عسلًا. فسقاه. فقال: إنى سقيته فلم يزده إلا استطلاقًا. فقال النبي: صدق الله وكذب بطن أخيك، اسقه عسلًا. فسقاه، فبرأ.(22) وهو دليل أن النبي يُوحى إليه بأوصاف طبية!

قول النبي: صدق الله إشارة لقوله تعالى عن العسل: (فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ)؛ أي أن العسل فعلًا فيه شفاء، بصرف النظر عالج أخيك تحديدًا أم لا.

وقوله: كذب بطن أخيك لا يعني أن الرجل كذب وادَّعى زورًا مرض أخيه؛ فلم ينسب الكذب إلى الرجل! ولا يعني أن أخيه كذب في ادعاء المرض؛ لأنه نصحه بمزيد من شرب العسل! ولا يعني أن البطن كذب، بمعنى أنه قد شُفي والبطن مازال يأنّ؛ لأن الرجل قال أن المرض مازال موجودًا، بل زاد!

وإنما العرب تستخدم (كذب) للدلالة على الخطأ أو العيب، فيقال كذبت عينك؛ أي أخطأت وهي معيبة. والمقصود بكذب البطن أن به عيب شديد لم يعالجه العسل.

يقول الزرقاني: قال الخطابي وغيره: أهل الحجاز يطلقون الكذب في موضع الخطأ، يقال: كذب سمعك، أي زلَّ، فلم يدرك حقيقة ما قيل له. ويقول عياض: يقولون كذب بصرك إذا لم يدرك ما رأى.

فمعنى (كذب بطن أخيك): أي لم يصلح لقبول الشفاء، بل ذل عنه(23).

ولعل الدافع لقول النبي صدق الله أن الرجل ربما قدح في صحة الآية، كأنه قال: كيف يقول القرآن أن العسل شفاء، وبطن أخي لم تُشف بالعسل؟! هنا أجاب النبي بأن قول الله صدق، أما بطن أخيك فبه عيب ومرض شديد لم يعالجه العسل.

أما شفاء المريض بالفعل، فربما شفاه العسل، وربما غير ذلك، ولا يعني بالضرورة أن وصف العسل جاء بوحي إلهي!

الطريقة التي ارتضاها الله للبشر أن يكشف لهم عن الغيبيات والعبادات بنص مقدس، إذ يعجز العقل عن الوصول إلى ذلك. أما نواميس الكون وسنن الله في الخلق فلا تأتيهم جاهزة منزلة، بل عليهم هم أن يبحثوا وينظروا ويجتهدوا ليكشفوا عن آيات الله، ولا طريق لذلك سوى التجربة والاختبار. أما مطالبة الوحي أن يفسر الكون، أو مطالبة العلم أن يكشف عن غيب هو تخبط وجهل بطبيعة العلوم.