اقرأ.. تمعن بها وتفكر واسرح بخيالك بها إلى اللاحدود، وستؤدي بك من زاوية إلى أخرى في شتى بقاع الأرض وبكافة العقليات، من البداية سأُملي على ناظريك بعض الإحصائيات للقراءة بالوطن العربي والعالم أجمع، بأن متوسط معدل القراءة بالوطن العربي لا يتجاوز الربع صفحة سنويًا للفرد، فكان في عام 2003 كل 80 عربيًا يقرأ كتابًا واحدًا، بينما كان المواطن الأوروبي يقرأ 35 كتابًا سنويًا، وكان المواطن اليهودي الذي يعيش بالأراضي المحتلة بفلسطين يقرأ 40 كتابًا سنويًا، بينما عام 2011 يقضي الفرد العربي ست دقائق بالقراءة سنويًا، بينما يقرأ الفرد الأوروبي 200 ساعة سنويًا.

تمعن بدقة بهذه الإحصائيات التي تدحرجنا عبر جبلٍ إلى أرض خاوية يصعب الوقوف مرةً أُخرى فيها إذا لم تستعد وقتك وتفكر مليًّا ومليًّا لم نحن هكذا؟ فنحن نعلم كون أول كلمة نزلت على النبي عليه الصلاة والسلام هي كلمة اقرأ. بسم الله الرحمن الرحيم. اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علَّم بالقلم. علَّم الإنسان ما لم يعلم سورة العلق. وعي وتناغم وترابط وحِدَّة تذهل عقولنا عبر أحرف من ترددات خرجت عبر لسانٍ إلى وحيٍ من قلم، ثم إلى كتاب يلخص معايير ونظم الحياة بكل ما تشتهيه الأنفس إلى عقل مسحته الهفوات وأيقظته الكلمات.

عبر جيلٍ منشود يطمح إليه الجميع بأن يكون الأفضل والارتقاء إلى أعلى القمم لنعلو بثقافتنا ووعينا الحضاري والفكري، لنبدأ بأنفسنا؛ نعم.. ابدأ بنفسك أنت.. نعم أنت.. لم لا لم؟ كما تغذي معدتك بالطعام يوميًا وتصرخ تضورًا وجوعًا إذا لم يأت الطعام في وقته إليك، فلعقلك حقٌ عليك أيضًا فهو مركز الجسم؛ فغذاء العقل يبدأ بالقراءة، ومن ثَمَّ تسري إلى باقي الجسد، فكما لمعدتك الخاوية حقٌ عليك فكذلك عقلك.. فالطعام يدخل ويأخذ بعض الطعام الجيد ويُخرج السيئ من خلال المخرجات، والعقل أيضًا كذلك، لكنه لا يوجد به السيء فهوَ يُدخل المعلومات الجيدة ويثنيها على حياتك بالأكثر جودًا.

لا تقل لي بأننا كلنا لا نقرأ، وأنا لن أُغير قومًا بأكمله.. حقًا! ألا تعلم بأن شخصًا واحدًا غيّر مليارات الأشخاص وفكرهم ومنهاج حياتهم وكلنا نعلم من هوَ، وهوَ قدوتنا النبي محمد عليه الصلاة والسلام، بدأ من نفسه ثم بالآخرين. الغرب عندهم إنترنت مثلنا مثلهم، ولكن لم يغير حياتهم كما حياتنا، فمؤسس (فيسبوك) مارك زوكربيرج تحدى نفسه بأن يقرأ كتابًا واحدًا كل أسبوعين لمدة سنة وهذه السنة ستغير مجراه لسنوات عدة، وتفتح عليه الكثير من التطلعات والرؤى إلى الأمام.

الكتب والقراءة كأنها رحلة تجود بك في محطات عدة وأفكار وعقول، وتسافر إلى دول وحضارات وأنت بمكانك وتنمي فيك قدرات كانت مدفونة منذ الأزل، لكنها مسحت الغبار عن دفتي عقلك من خلالها، القراءة ليست بذلك الشيء الذي يستصعب فعله، نصف ساعة من يومك أو أقل ليست بالكثير من عدة ساعات أـلا وهي 24 ساعة، فهذه النصف الساعة على سبيل المثال تغير مجرى يومك بنمط تسلسلي لا تدركه الا عند وضع رأسك على مخدة نومك وتستذكر ما الإنجازات التي فعلتها اليوم! فلن يأتي على مخيلتك حقًا إلا قراءتك التي فعلتها في عدة دقائق تكاد لا تُذكر.

صدقني يا عزيزي عندما تبدأ القراءة ستدمن عليها ولن تشفى منها لأنها بحد ذاتها شفاء ودواء، فبعض بعثرة من الحروف التي كونت كتبًا بأكملها غيرت أقوامًا بأكملها، لا تضع أمامك حواجز تغلق بها طريقك من خلال بعض العثرات التي لا تُجدي نفعًا وأنت بغنى عنها، فعلى سبيل المثال الأديب العريق طه حسين حيث كان أعمى، ولكنه تحدى الصعاب نحو نفق مليء بالظلام إلى بقعة من بصيص نور وفعلها عبر القراءة والكتابة، والعقاد الذي قرأ أكثر من 60 ألف كتاب.

نعم إنهم من ذواتنا.. إنهم من عروبتنا التي كادت تنزلق عبر الانحطاط والجمود نحو زمن أُمّي وتمحوه الجاهلية حينما يكثر الادعاء بالعقلانية، والفتور تجاه العلم وغيره. فتمحورك في دائرة تظل تكرر وتعيد نفسها وروتين يقتل النفس في ميدان العقل فجدد خلايا عقلك وبلوراتها.

نعم.. إلى متى سنبقى أشلاء بفكرنا ووعينا المنتهي باللاشيء.. تحد نفسك وافعلها وستفعلها فليست بالشيء الصعب لديك.