بعدما بيّنا مستوى الشك في تصور العلم للذرة رغم روعة التطبيقات التكنولوجية المبنية عليه، وأوضحنا أن الموقف الصائب منه هو القبول المؤقت والجزئي، كشفنا خطأ التسليم المطلق به وبما ينبني عليه من علوم، ودعونا إلى التحرر من الأسر ضمن خرافة اليقين العلمي الموهوم، وخصوصًا أن جل الأطروحات العلمية المتعلق به والمبنية عليه، تردنا عن طريق الرواية، وهي لا تخضع لاختبارنا للتحقق من صحتها. ثم تساءلنا: كيف يكون الحال بأجوبة الأسئلة العلمية الوجودية للمغيبات عن الإحساس المباشر من مثل أصل الوجود وأصل الحياة مما لا يمكن أن تخضع للتجربة؟

ومن أجل التعاطي مع هذا التساؤل، ثمةَ حاجة لمناقشة تصنيف العلوم المطروحة، هل كلّها علوم معتبرة؟ أم أن ثمة خرافات (علمية!) محسومة البطلان ومصنّفة على أنها خزعبلات من العلوم الزائفة؟ وبالتالي هل يصحّ أن يكون الموقف منها مثل الموقف من التركيب الذرّي (القبول مع الشك فقط) أم هو التكذيب والإنكار؟

قد يستغرب بعض القراء من استخدام مصطلح العلوم الزائفة، وربما تكون هذه المرة الأولى التي يسمعون به. والحقيقة أن هذا التصنيف يأخذ مساحة واسعة عند فلاسفة العلوم، تحت اصطلاح (Pseudoscience)، كما نوضح في هذا المقال ونربطه بحلة الشك العلمي التي نخوضها ضمن هذا المسار المعرفي.

نذكّر بداية أن المنهجية العلمية تقوم على وضع فرضية كحل مؤقت للمسألة العلمية – محل البحث – ثم اختبار صحة تلك الفرضية عبر الحصول على بيانات من التجربة (أو من الملاحظة العلمية)، ثم إثبات صحة الفرضية أو دحضها، عبر الاستدلال والبناء المنطقي، ويكون ما يتمخض عن هذا المسار من معارف من العلوم (الطبيعية) المقبولة ضمن حدود الشك.

واستنادًا إلى التمييز حسب هذه الطريقة العلمية، فإن العلوم الزائفة مبدئيًا هي فرضيات أو نتائج وتفسيرات تُعرض على أنّها علمية بينما تفتقر لاستخدام الطريقة العلمية، وهي تنتج عن البحث المبني على فرضيات مختلّة، أو منهج تجريبي معطوب، أو بيانات سيئة[i]. أما العلوم المعتبرة فهي نظريات تفسّر ظواهر قابلة للملاحظة، وقابلة للاختبار التجريبي بطريقة معقولة… ويشمل الاختبار العلمي استنباط التوقعات التجريبية من النظرية (empirical predictions)، والتي بدورها يجب أن توفر قابلية الاختبار التجريبي لصحتها.

ومن هنا، يعتبر فلاسفة العلوم مثل العالم بوبر (Karl Popper) أن التجربة والاختبار هي كلمة السر الأولى في التفريق بين العلوم (المعتبرة) وبين العلوم الزائفة، ولذلك فإن النظرية التي لا تشير إلى كيفية بحث إمكانية دحضها أو إبطالها (falsifiability) ليست نظرية علمية، بمعنى آخر: إذا لم تتوفر فرصة المحاولة لدحض أي طرح علمي عبر إمكانية التجربة فإن ذلك الطرح هو من العلوم الزائفة وإن بدا عليه أنه علمي.

قد يبدو أمر التمييز سهلًا للوهلة الأولى، ولكنّ هذا المعيار الأساس في التفريق بين العلوم والعلوم الزائفة يُبرِز سؤالًا كبيرًا قد يسحب البساط من تحت فلسفة العلوم الغربية جملة وتفصيلًا؛ إذ كيف يمكن أن نُخضع التصور العلمي لأصل الكون للتجربة؟ وكيف يمكن أن نُخضع التفسير العلمي لأصل الحياة للتجربة العلمية؟ ومن ثم كيف يمكن أن نخضع جُلّ الفلسفات العلمية (الغربية) المغلِّفة للعلوم للتجربة؟ وكيف يمكن التعاطي العلمي والفكري مع تلك النظريات (العلمية!) الوجودية على أنها من العلوم (المعتبرة) لا من العلوم الزائفة، بينما جلّها لا يخضع للتجربة ولا يوفر إمكانية المحاولة لدحضها عبر التجارب العلمية!

وأمام هذه الصدمة الفكرية في نفي الاعتراف بتلك العلوم حسب معيار التصنيف هذا، اعترف بعض الكتّاب في المجال العلمي بهذه المعضلة الصادمة، فقالوا: المشكلة أن العديد من العلوم ليست خاضعة للدحض (التجريبي) مثل نظرية الأوتار (string theory) [ii]، ونظرية الأوتار تلك هي واحدة من النظريات (العلمية!) المستندة لنماذج رياضية لتفسير أصل الكون، فإذا كانت تلك النظرية (الوجودية) ليست قابلة للاختبار والدحض عبر التجربة، فهي حسب هذا المعيار الذي يستخدمه فلاسفة العلوم يجب أن تكون من العلوم الزائفة، ومن ثم فإن ما ينتج عنها من تصور للوجود يجب أن يُصنّف على أنه من الخزعبلات العلمية، لا من المعارف البشرية، ثم قس عليها كثيرًا من الإجابات العلمية للأسئلة الوجودية التي نطرحها ضمن هذا المسار المعرفي.

ونتيجة تلك الاستحالة التجريبية، تصبح كافّة محاولاتِ الإجابة على الأسئلة العلمية الوجودية للمغيبات عن الإحساس المباشر من مثل أصل الوجود وأصل الحياة، مما لا يمكن أن تخضع للتجربة هي أقرب لممارسة العبث (العلمي!) لا البحث العلمي، ويكون جلّ ما ينتج عنها هو من العلوم الزائفة: كالعبث (العلمي!) في ادعاء أن أصل الإنسان هو القرد، مما هو ليس قابلًا للدحض (الاختبار) عبر التجربة العلمية، وكذلك العبث في الحديث عن تفاصيل (علمية!) حول نشأة الكون، ومثل وجود الأكوان المتوازية، ووجود المادة المضادة التي تُفني المادة، وغيرها من الخيالات العلمية التي لم تخضع ولن تخضع للتجربة العلمية.

ومن المؤسف أن كثيرا من أهل الأديان السماوية يشعرون بحالة استكانة ووهن أمام تلك الأطروحات العلمية الزائفة عندما تتصادم مع مفهوم الخلق والتكوين الإلهي، ويتحول عند بعضهم المسار الذهني عن التكذيب بالعلوم الزائفة إلى الشك في أساس الدين أو الإلحاد، متغافلين عن بطلان تلك العلوم الزائفة من أساسها، حسب معيار التصنيف هذا، والأغرب من ذلك أن يستند بعضُ المدافعين عن الدين على أطروحات العلوم الزائفة للحديث عن الإعجاز العلمي الموهوم في القرآن الكريم حول تلك الخيالات العلمية، مثل بعض ما تطرحه القناة الصاعدة في هذا المجال (ThereisNoClash)، كما سنفصل في أكثر من حلقة لاحقة ضمن هذا المسار المعرفي.

ومن المعلوم بداهة عند البشر أن الدليل والبرهان هو المرجع في قبول الأفكار، وهو أساس التفكير الناقد لفرز الأطروحات العلمية، وكشف العلوم الزائفة، ولذلك فإن العلوم (المعتبرة) تستند على الدليل، وتجعله في متناول أيدي الباحثين للتحقق من صحته، أما العلوم الزائفة فتطرح ادعاءات بلا دعم تجريبي أو بقليل من التجارب السطحية، وإن حصلت فيتم التعامل مع البيانات بشكل انتقائي بما يخدم أطروحات العلوم الزائفة[iii].

ورغم ذلك فإن ما يميّز العلوم الزائفة أن أصحابها يتمسكون بها رغم عدم توفر أدلة تثبتها، وهم لا ينزعجون من عدم توفر الدليل، والأفظع من ذلك أنهم لا يقرّون بوجوب التخلي عن طرحها حتى وإن واجهوا أدلة تبطلها، ولذلك من الغريب – هنا – صمت العلماء الغربيين (ومن ضُبع بهم من العلماء المسلمين) على عدم التخلّي على عدد من الأطروحات العلمية حتى عندما يتم فشل تجريبها، أو إبطالها عن طريق التجربة، ومن الأمثلة على ذلك التمسك بالطرح (بل الخيال) العلمي حول إمكانية تخلّق الخلية الحية من مواد عضوية (ميّتة) نتيجة صدفة وصاعقة عابرة، رغم فشلها وبطلانها التجريبي.

وأمام هذه التحديات، يعترف بعض فلاسفة العلوم أن الحدود الفاصلة بين العلوم (المعتبرة) والعلوم الزائفة تزداد غموضا وتصبح أكثر سماحية للتداخل بين الصنفين، أي تسمح لاعتبار بعض مخرجات العلوم الزائفة من العلوم (المعتبرة)، ويصبح التصنيف أكثر صعوبة مما يتم عبر هذا المعيار التجريبي الذي وضعه الفيلسوف بوبر[iv]، ولا شك أنه نتيجة ذلك التداخل وتلك النفاذية لاختراق العلوم الزائفة إلى ساحة العلوم، يصبح وجوب كشف الخزعبلات العلمية (مما نبرزه في هذا المسار المعرفي) أكثر أهمية وأوضح مشروعية.

ونتيجة غياب قابلية الدحض التجريبي، وانعدام الدليل، تتعمّد العلوم الزائفة نسج التعقيدات في تصوير الغيبيات، قد تصل إلى حد الأساطير، مع الاستناد إلى ادعاءات فضائية خارج نطاق الملاحظة البشرية (extraterrestrial claims)، وهي تتسلّح بدليل! الرواية والحكاية في نشر أطروحاتها[v]. ولو دققّنا جيدًا في كثير من الأطروحات الكونية وعالم الفضاء، ومنها مثلًا وجود ما تسمى المادة المضادة التي تُفني المادة إذا اصطدمت بها والثقوب السوداء وغيرها، لوجدنا فيها نماذج التعقيد الذهني الذي تمتاز به العلوم الزائفة، ولوجدنا كثيرًا من تلك الأطروحات ليست في متناول الناس للتحقق منها، بل تقترب أحيانًا من مستوى الأساطير المنقولة إلينا على طريق الرواية، (عدا عن انعدام الدليل وغياب إمكانية التجربة؛ مما ورد أعلاه)، كما سنبين تفصيلًا في حلقات لاحقة إن شاء الله.

إذًا فنحن أمام أطروحات وجودية انتشرت بين الناس كمسلمات، بينما قد يكون بعضها – أو كثير منها – خزعبلات، تتصل جملة أو جزئيًا بالعلوم الزائفة أكثر من اتصّالها بالعلوم (المعتبرة)، وخلال رحلة الشك العلمي هذه التي نخوض، نمارس التفكير الناقد في أطروحات الفضاء المغيّب عنّا، وفي رحلات استكشاف أصل الحياة على الأجرام التائهة في الفراغ الكوني (كرحلة روزيتا): هل هي علوم معتبرة أم أباطيل من العلوم الزائفة، وكفاتحة لذلك، نبدأ في المقال التالي مناقشة الرواية الأمريكية حول غزوة القمر.