الأهمية الإستراتيجية واللوجستية للميناء

من المعروف أن ميناء عدن يقع على الخط الملاحي الدولي الذي يربط الشرق بالغرب، ولا تحتاج السفن لأكثر من أربعة أميال بحرية فقط لتغيير اتجاهها للوصول إلى محطة إرشاد الميناء. ويتميز الميناء بأنه محمي طبيعيًا من الرياح الموسمية والأمواج؛ وذلك لأنه يقع بين مرتفعين جبليين، وهو ما يجعل منه ميناء يعمل دون توقف طوال العام.

بدأ الميناء يأخذ أهميته الاستراتيجية منذ أن اتخذ محطة رئيسة لتقديم خدمة التزود بالوقود والفحم والمياه والتموين للسفن البخارية. في أواخر القرن الثامن عشر وأخذ أهميته الكبرى عالميًا بعد فتح قناة السويس عام 1869؛ ليصبح ميناء عدن عام 1952 أحد أهم وأكثر الموانئ ازدحامًا لتموين السفن بالوقود، ومركزًا عالميًا للتسوق والتجارة حول العالم.

توقف كل ذلك مع إغلاق قناة السويس عام 1967 مدة ثماني سنوات حتى عام 1975، وكان له بالغ الأثر على عمل الميناء وتراجع دوره بعدما تم تغيير الخط الملاحي والتجاري لحركة البضائع؛ مما دفع بدول الجوار القيام ببناء موانئها وتجهيزها بأحدث الوسائل لمواكبه ازدياد الحركة بتشييد مراسي ورافعات عملاقة للمناولة وحفر مياه عميقة تلبية للطلب. وتراجع الميناء منذ ذلك الوقت حتى فقد أهميته اللوجستية، وبذلت مساعي عديدة لإسترجاع المكانة الدولية المرموقة للميناء دون جدوى نتيجة الظروف السياسية المعقدة التي مرت وتمر بها عدن طيلة نصف قرن منذ الاستقلال عن بريطانيا 1967 حتى اليوم.

ميناء عدن وضياع الحلم

أضاع الساسة فرصة النهوض بميناء عدن ليعود للواجهة بعد غياب أكثر من نصف قرن كان يتمتع الميناء بوضع كأفضل ثاني ميناء تجاري قي العالم بعد ميناء نيويورك من حيث الحركة، ونام الساسة ونام الميناء معهم طيلة الفترة الماضية لم يشهد الميناء أي تطور مُلفت في سبيل استعادة بعض من أمجاده الغابرة كميناء دولي وعالمي هام وذي موقع استراتيجي كما يتحفنا المسؤولون في كل مرة يذكر فيها اسم ميناء عدن، لكن للأسف انتظرنا طويلًا عَلَّ وعسى يحدث شيء، ويحس المسؤلوين، ويدركوا أهمية الموقع وضرورة عودة الميناء ليلعب دوره الحقيقي، لكن أدخلنا الساسة والسياسيين في متاهة من الصراعات والمناكفات حتى وصلنا لقناعة اليوم أن الميناء لن يلعب دوره السابق، ولن يعود كما كان في السابق، وإن أهمية موقع الميناء الاستراتيجي بدأ يأفل دوره، بعدما ظهر طريق تجاري بحري جديد قد يقضي على كل الآمال والأحلام بعودة عدن لعهدها الماضي التليد.

ميناء عدن من العالمية للإقليمية

لم يبق أمام المسؤولين في عدن من أمل إلا نسيان ماضي ميناء عدن كثاني أهم ميناء في العالم، سوى التنازل قليلًا والسعي في المرحلة القادمة لجعله أهم ميناء في الإقليم المجاور، بل في المحيط الهندي، خصوصًا وأن دول المنطقة ستشهد طفرة اقتصادية كبيرة، وعلى وجه الخصوص الجارة إثيوبيا التي أصبحت تسجل أعلى معدلات التنمية في القارة الأفريقية. والتي يتوقع لها خبراء الاقتصاد ومعظم مؤشرات التنمية العالمية أن تصبح ثاني أكبر قوة اقتصادية أفريقية بعد جنوب أفريقيا خلال العقد القادم متفوقة على الجزائر ومصر، والصينيون عرفوا من أين تؤكل الكتف، لذا اتخذوا إثيوبيا منطلقًا لاستثماراتهم الضخمة في القارة الأفريقية وهو سبب وصول إثيوبيا لمعدل 9% وهو من أعلى معدلات التنمية في العالم منافسة في ذلك الرقم الصينيين أنفسهم، وهو ما سيضفي على ميناء عدن السعي لجذب تجارة وصناعة إثيوبيا العالمية لتكون عدن مركزًا لبعض أنشطتها.

الطبيعة تَخَلَّق خطًا ملاحيًا جديدًا

خط تجاري جديد لم يخطر على بال أحد، ولم يتصوره عقل بشر، الطبيعة تلعب دورًا في إنهاء أهمية ميناء عدن كرابط تجاري بين أوروبا وآسيا، بعد ظهور خط القطب الشمالي الذي لعبت عوامل التغير المناخي الاحتباس الحراري في ذوبان جزء كبير من القطب الشمالي الذي بدوره أدى إلى فتح ممرات مائية مكن بعض السفن الملاحية العملاقة من العبور خلاله وبفترة زمنية أقل مما لو استخدم الممر الحالي مضيق باب المندب الذي يقطع المسافة من الصين لأوروبا بـ22 ألف كم، بينما لو استخدمت الصين الممر الآخر في القطب الشمالي ستصبح المسافة أقل 16 ألف كم فقط، وهو خط تجاري واقتصادي جدًا وسيوفر المدة الزمنية الأقل وسيخفض التكلفة.

ظل الإخوة السياسيين يماطلون في إعادة دوران عجلة الميناء لسنين طويلة حتى أصبح الميناء اليوم في ظل المتغيرات الملاحية الجديدة في خبر كان، ونحتاج لمعجزة حتى يستعيد العالم الثقة بالميناء ولو لعب دور وسيط بين شرق آسيا وشرق ووسط آفريقيا وبالمثل بين أوروبا وشرق ووسط أفريقيا.

مصر تدق جرس الخطر

بالحديث عن ربط آسيا بأوروبا حتى مصر وممرها الملاحي الأهم حاليًا على وشك أن تدق جرس الإنذار لأهم مورد اقتصادي لمصر، ألا وهو قناة السويس الذي سيتضاءل دوره في المستقبل الفريب في حال استمر ممر القطب الشمالي بالعمل بوتيرة أعلى في السنوات القادمة، وتحمست الدول المطلة عليه بعمل بعض التوسعة والإنشاءات الضرورية ليصبح ممرًا أوسع وأعمق، وتجاريًا أكثر مما هو عليه الآن.

وإذا كان حجم التجارة بين أوروبا والصين وصل لأكثر من 70 مليار دولار، وإذا ما عرفنا أن عدد السفن المارة بقناة السويس تقدر بأكثر من 19 ألف سفينة بسعة تتجاوز. 960 مليون طن في الوقت الحالي، فإنه بالتأكيد سينخفض العدد في السنوات القليلة مع دوران حركة الخط الملاحي الجديد في القطب الشمالي.

فالخط الجديد أقصر مسافة وأقل زمنًا، وسيوفر الكثير من الوقت والوقود المستهلك وسيكون ذا أثر إيجابي على شركات الملاحة العالمية.