يأتي الإنسان إلى الدنيا ولا يشوب قلبه شائبة، فلا كبر، ولا حقد، ولا خداع، ولا غير ذلك من أمراض القلوب، ثم يبدأ باكتساب الأخلاق ممن حوله شيئًا فشيئًا، مما يراه منهم لا مما يسمعه، لذلك إذا أمره أبوه بالصدق ووجد منه خلاف ذلك، فإنه لن يصغي لما قيل، أما أشد الأخلاق رسوخًا عند الطفل فهي ما يسمعه من أبيه ثم يجد من تصرفاته ما يصدّقه.

والإنسان في فطرته مهيئ لقبول حسن الأخلاق وقبيحها، وكما أن اكتسابه لخُلق ما يتم تدريجيًّا فإن فقدانه هذا الخلق يحدث حدوثًا تدريجيًّا أيضًا، إذ «إنما العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم»، وقِس على ذلك جميع الأخلاق.

وإن اعتزالنا لجميع الناس هي مما لا سبيل لنا إلى فعله، إذ نلقاهم في المنزل، والمدرسة، والجامعة، والسوق، والعمل، ولأن النقص يعترينا جميعًا، فإن اشتراطك الكمال فيمن تتخذه صديقًا أو زميلًا أو زوجًا يقضي بأن تبقى وحيدًا من غير مؤنس عازبًا من دون زوجة.

ولكن في الوقت نفسه، إن من النقص ما يمكن تحمله والتعامل معه، ومنه ما لا نطيق ذلك، لذا إليكم الطباع التي ليس إلى تحملها من سبيل:

1- الكذب

هو المدمر الأكبر للثقة بين الناس، فكما قال برنارد شو: «لست حزينًا لأنّك كذبت عليّ، بل أنا حزين لأنّي لن أستطيع تصديقك بعد الآن»، إذ من يكذب عليك مرة، فإنك -لا إراديًّا- ستتوقع منه الكذب في جميع ما يقول.

ومن أشكال الكذب، التناقض بين الأقوال والأفعال، حيث تسمع من أحدهم الموعظة وترى الإثم، ويخبرك بأنه يحبك وترى ما يدل على الكره، ويشعرك بأنك تهمه ولا وزن لك عنده، وتلقى من لسانه الود فإذا ما فعل لقيت السم والحقد.

وهذا الخلق يتصف به الأشخاص وتتصف به الدول! يصرحون بأنهم قلقون من المجازر في بورما، ومن الاضطهاد والقمع الذي يتعرض له مسلمو الصين، ولا ترى لمقالهم فعلًا يؤيده، فكما قال الشاعر أديب اسحاق: «قتل امرئٍ في غابةٍ جريمةٌ لا تُغتَفر، وقتل شعبٍ آمنٍ مسأَلةٌ فيها نظر».

2- اللؤم

اللئيم هو الشخص الذي «تُحسن له دهرًا وتسيء له يومًا، فينسى الدهر ويتذكر اليوم!» إذ بمجرد أن ترتكب خطأً بحقه فإنه ينسف جميع ما قدمته له، وإذا ما فعل هذا معك فذلك سيؤدي بك إلى أن تزهد في عمل الخير، وترى أن الناس يجحدون ما تقوم به، فيتساوى عندك عمل الخير من عدمه.

وهو كذلك لا يرضى عن أي فعل تقوم به – ما لم يكن في مصلحته- متخذًا من السخرية مسلكًا له، متعاليًا بذلك على الناس جميعًا، لذلك فإن تأثيره السلبي على النفس كبير جدًا.

3- التذمر

إن من هذا طبعه، لا يرى من الورد إلا شوكه، ومن الشتاء إلا زمهريره، ومن الصيف إلا حرُّه، فهو يجعل تركيزه على النقطة السوداء في الصفحة البيضاء، وكذلك فإنه لا يمل من التشكّي والتأفف جاعلًا السلبية منهجه، وإذا ما صدر منه خطأ فإنه سرعان ما يبرره ملقيًا بالتهم يمينًا ويسارًا، ومن كانت تلك طبيعته فإنه سيصيب من حوله بالاكتئاب والإحباط لا محالة.

4- الفحش والبذاءة

إننا جميعًا نكره من كان هذا طبعه، حتى الله – عز وجل- يبغضه؛ إذ جاء في الأثر «إن الله يبغض الفاحش البذيء»، وسبب ذلك أن أذى اللسان يفوق بطش اليد، فكلمة واحدة يمكنها أن تدمر شخصًا وتهلكه، إذ الإضرار بالروح يفوق الإضرار بالجسد، وكما قال جبران خليل جبران: «وقاتلُ الجسمِ مقتولٌ بفعلتهِ وقاتلُ الروحِ لا تدري بهِ البشرُ».

أخيرًا، ليس المقصود بالابتعاد أن تهجرهم هجرًا تامًّا، إذ ذلك منهيٌ عنه في الإسلام «لا يحل للمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام»، وإنما المقصود به هو أن تضيّق مساحة تعاملك مع صاحب هذه الطباع – إذا لم تجد منه رغبةً وعزمًا على أن يغيرها- إذ الأخلاق كالأمراض تُعدي، وإنك إن لم تغيره ولم يتغير فإن بعض الذي لديه سيصيبك، فيشتكي منك غيرك بالغد مما كنت تشكو منه غيرك بالأمس، لذلك إن استطعت الإصلاح فافعل وإلا فابتعد.