مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

أشرف أبوخصيوان (فلسطين)

بات الموقف المصري صعباً للغاية، بعد أن تدارك أنّ هناك حالة من الغضب تسود في رام الله من الموقف المصري من تلك التهدئة التي يتم التشاور على تنفيذها في قطاع غزة، من دون علم ولا وجود للسلطة الفلسطينية على رأسها.

نشهد اليوم على الساحة الفلسطينية آخر المعارك الناعمة بين فريق الرئيس، محمود عباس، ممثلاً بمنظمة التحرير الفلسطينية في رام الله، وفريق حركة حماس، ممثلاً بعدد من فصائل المقاومة في قطاع غزة، تلك المعركة التي كشفت عن الوجه الحقيقي لكلا اللاعبين، وعن تفاوت قدراتهم في كيفية إدارة المعركة الدبلوماسية، للوصول إلى تسجيل الهدف الذي يُمّكن الطرف القوي من إعلان انتصاره على الأخر، لذلك أطلق المبعوث الأممي، نيكولاي ميلادينوف، صافرة بداية المعركة في أواخر مايو/ أيار الماضي، بعد أن تواصلت مسيرات العودة على الحدود مع قطاع غزة، وتطورت أدواتها من خلال إطلاق البالونات الحارقة على المستوطنات الإسرائيلية القريبة من قطاع غزة، حيث بدأ الحديث يدور عن توفير تهدئة ومخصّصات مالية جديدة لتشغيل الفلسطينيين في قطاع غزة، والنهضة بالواقع الاقتصادي، وتحسين البنية التحتية، وذلك خلال زيارته المتكرّرة لقطاع غزة ولقاءه قيادات حركة حماس.
كان المبعوث الأممي يُراوغ ويناور سياسياً بامتياز، فقد أعلن موقفه الثابت، والذي لا يُمكن أن يتغيّر تجاه قطاع غزة خلال لقائه بالرئيس عباس في رام الله في الأول من يوليو/ تموز الماضي في مقر الرئاسة في رام الله، حيث قال: “ناقشنا موضوع حلّ مشكلة غزة كمسألة سياسية تأخذ بالاعتبار الوضع الإنساني الصعب للذين يعيشون هناك، وندعم جهود القيادة الفلسطينية للعودة إلى غزة، لتتمكن الحكومة الفلسطينية من استلام مسؤولياتها هناك”.
قرأ الجميع تلك التصريحات لميلادينوف، لكنه استمر في رسم صورة جديدة للعلاقة ما بين الاحتلال الإسرائيلي وحركة حماس وفصائل المقاومة في غزة، من خلال التفاوض بشكل غير مباشر على تهدئةٍ تكون بمثابة طوق نجاة للواقع الاقتصادي والإنساني في قطاع غزة. ولكن ما حدث أن تلك الجهود دخلت في حالة الجدل الفلسطيني بين حركتي فتح وحماس، وبات الموقف المصري صعباً للغاية، بعد أن تدارك أنّ هناك حالة من الغضب تسود في رام الله من الموقف المصري من تلك التهدئة التي يتم التشاور على تنفيذها في قطاع غزة، من دون علم ولا وجود للسلطة الفلسطينية على رأسها.
احتدمت المعركة أكثر فأكثر بين الفلسطينيين أنفسهم، وبات الموقف المصري أكثر حرجاً مما سبق، فقد وصلت الرسالة إلى القاهرة، ومفادها أنتم تُعمّقون الانقسام من خلال تبنيكم لمشروع التهدئة.
استدركت القاهرة الموقف، وأعادت الكرة إلى الملعب الفلسطيني، من خلال مطالبة الطرفين بالالتزام باتفاق المصالحة اكتوبر2017، والعمل من جديد على تمكين حكومة الوفاق الوطني من العمل في قطاع غزة، وتطبيق بنود المصالحة، وتم تأجيل العمل في مشروع التهدئة، حتى تتواصل لرؤية جديدة تُقنع فيها الرئيس عباس من العودة إلى القاهرة مجدداً للنقاش حول بنود مُعدلة للتهدئة ترتقي لطبيعة المرحلة التي نعيشها في هذا الوقت.
تقريباً انتهت المعركة الدبلوماسية ما بين الفريقين، فريق الرئيس عباس أعلن ضمنياً عن الانتصار أنهم أوقفوا مشروع فصل غزة عن الوطن ومنع تنفيذ صفقة القرن، وأعادوا حركة حماس من جديد إلى التفكير في آلية جديدة للخروج بمواطني قطاع غزة من المأزق الذي يعيشون فيه، في حين أعلنت حركة حماس أنّ مشروع التهدئة لم يفشل، وأن المشروع سيتواصل.
عرقلة نجاح جهود التهدئة أخيرا هو انتصار للرئيس عباس وفريقه، لكن حركة حماس لم تُقر بالهزيمة، ولا زالت تعيش في رحلة البحث عن البدائل التي سوف تكسر الحصار، وتوفر الحياة الآمنة للمواطنين في قطاع غزة تحت سيطرتها.
يقول الواقع إن المتضرّر من المناورات الدبلوماسية هو المواطن في القطاع، فالعقوبات لا زالت مفروضة على سكان القطاع، والكهرباء تزور بيوت الفقراء أربع ساعات في اليوم، وهنا شُح في السيولة في جيوب مواطني القطاع، وهناك فقر مُدقع ينخر في البنيان الاجتماعي، وهناك معابر مغلقة وحصار مُطبق على السكان، ولا زالت الفصائل تُناور وتُجادل وتتباحث حول المخرج الأمثل للأزمة.

إعجاب تحميل...