ناقصات عقل ودين.. أصبح شعارًا جامعًا لنظرة الإسلام إلى المرأة!

واستخدمه كثير من الرجال سلاحًا بتارًا؛ فيكفي ذكر الحديث لينهي خلافًا مع امرأة، ويشطب رأيها، ويلغي دورها. وإن اعترضت، فهي تعترض على النبي!

والأعجب أن كثيرًا من النساء يرددن نفس الجملة، ومقتنعات أنهن فعلًا ناقصات عقل ودين!

حتى الفقهاء اقتنص بعضهم هذه الفقرة ليبنوا عليها فتاوى وأحكام ظالمة؛ فقال بعضهم إن دية المرأة نصف دية الرجل؛ لأنها ناقصة عقل ودين!

قال السرخسي: الدية تنقص بصفة الأنوثة.. لنقصان دين النساء كما وصفهن به الرسول في قوله: إنهن ناقصات عقل ودين(1)!

وأفتى البعض بمنع تولي المرأة القضاء، واعتبار شهادتها نصف شهادة الرجل، وعدم أهليتها للمناصب القيادية، وقبول تسلط الزوج أو الأب أو الأخ عليها، وعدم أهليتها للزواج بنفسها، والسفر وحدها!

وقال البوطي: الكمال المطلوب في الرسل والأنبياء يتنافى مع الأنوثة(2)!

وهو بذلك يقر أن كل النساء ناقصات عقل ودين، ناقصات في تركيب عقولهن، ناقصات في تقواهن ودينهن!

روى البخاري ومسلم: خرج رسول الله في أضحى أو فطر إلى المصلى، فمرَّ على النساء فقال: يا معشر النساء، تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار. فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن. قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصلِ ولم تصم؟ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان دينها(3).

وندرس الحديث من جهتي السند والمتن.

السند:

رُوي الحديث عن طريق خمسة من الصحابة:

أبي هريرة: عن طريق سهيل بن أبي صالح: وقد ساء حفظه حتى منع ابن معين وأبو حاتم الرازي الاحتجاج بحديثه. وعن طريق عمرو بن أبي عمرو: وقد ضعَّفه مالك، والبخاري، وأبو داود، والنسائي.

أبي سعيد الخدري: عن طريق زيد بن أسلم: وقال عنه ابن حجر: كان مدلسًا، وذكره ابن حبان في (المجرحون)، وقال عنه ابن عيينه: كان في حفظه شيء.

ابن عباس: عن طريق زيد بن أسلم أيضًا: وهو مدلس كما ذكرنا.

ورُوي نفس الحديث بثلاثة طرق أخرى عن ابن عباس، كلها تخلو من زيادة ناقصات عقل ودين؛ مما يشكك في هذه الزيادة!

عبد الله بن عمر: عن طريق يحيى بن عبد الله: وقد ضعّفوه؛ فقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال النسائي: ضعيف، وقال عنه في موضع آخر: ليس بثقة. وعن طريق محمد بن رمح: وهو ثقة.

عبد الله بن مسعود: عن طريق أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي، وهو صدوق، لكنَّه تغيَّر واختلط فضعف وتُرك حديثه. ورُوي بخمسة طرق مختلفة، صحيحة الإسناد، لكنها تنسب جملة: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب على الرجال ذوي العقول منهن) إلى عبد الله بن مسعود نفسه، وليس النبي.

وبذلك نجد ثلاث روايات:

  1. رواية تخلو من زيادة (ناقصات عقل ودين).
  2. رواية تنسب هذه الزيادة للنبي.
  3. رواية تنسب هذه الزيادة لعبد الله بن مسعود.

كيف نجمع بين هذه الروايات الثلاثة؟

يخصص د. نور الدين الجلاصي دراسة عن أسانيد هذه المقولة، فيقول: لا يوجد راوٍ مباشر لزيادة (ناقصات عقل ودين)، ولا لتفاصيل القصة ودقائق أحداثها، فجابر وأبو هريرة وابن عمر وأبو سعيد الخدري، لم يكونوا قريبين منها، ولم يكونوا شهودًا عليها ولا مباشرين لها. وبلال بن رباح الشاهد الرئيس عليها لم تُسند إليه رواية عنها، وابن عباس – الصبي – الذي حضر موعظة النبي للنساء خَلَطَ زيدُ بن أسلم روايته، ورواية عبد الله بن مسعود تختزل كثيرًا من التفاصيل، ولكنها رواية مفصلية في الأحداث؛ لأنها تنسب الجملة إلى عبد الله بن مسعود نفسه وليس النبي.

نحتاج إلى إعادة بناء الرواية كي نفهم ما حدث في أكثر تفاصيلها، قال الرواي:

شهدتُ الصلاة يوم الفطر مع رسول الله، فبدأ بالصلاة ثم قام متوكّئًا على بلال، فخطب الناس، ثم نزل من على المنبر، فرأى أنه لم يُسمِع النساء، فأتاهن ومعه بلال وابن عباس، وكان صبيا صغيرًا.

وكان في النساء زينب، امرأة عبد الله بن مسعود، فقال النبي: يا معشر النساء، تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقامت امرأة من النساء فقالت: وبم يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير. فجعلن يلقين الخواتيم، ثم انصرف النبي.

قالت زينب امرأة عبد الله بن مسعود: كنت في المسجد، فرأيت النبي فقال: تصدقن ولو من حليكن، فرجعت إلى عبد الله بن مسعود فأخبرته بما سمعت من رسول الله، وأخذت حليًا لها، فقال ابن مسعود: أين تذهبين بهذا الحلي؟ قالت: أتقرَّب به إلى الله. فقال: ويلك هلمي فتصدقي به عليَّ وعلى ولدي، فأنا له موضعٌ، فقالت: لا والله حتى أذهب به إلى رسول الله.

فانطلقت إلى النبي فقالت: يا نبي الله، إنك أمرت اليوم بالصدقة وكان عندي حُلِيّ لي، فأردت أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق به عليهم. فقال النبي: صدق ابن مسعود؛ زوجك وولدك أحق من تصدَّقت به عليهم.

فقال ابن مسعود: ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم منكن.

وما دام هذا الجزء من الحديث قد ثبتت نسبته إلى الصحابي عبد الله بن مسعود وصحَّت روايته عنه، فإنّه يكون قد أُدرِج في بقية الروايات في كلام النبي، وهو في الأصل ليس من كلامه، وهذا ما يُصطلح عليه في علم الحديث (بالحديث المدرَج)؛ أي ما كان في الحقيقة من غير كلام النبي وأُدخِل في كلامه، إما شرحًا للفظة، أو بيانًا لمسألة، أو سهوًا من الراوي، أو ذكرًا لموقف(4).

المتن

وحتى لو صح الحديث، واعتبرنا تجاوزًا أن النبي هو قائل هذه المقولة، فهي لا تعني الأفهام الشائعة عن ضعف عقل المرأة، ويتبين ذلك أكثر بتسليط الضوء على المتن.

ملاحظات عامة

من حيث المناسبة، فقد قيل في صلاة عيد، ولا يُتصور أن يستغل النبي مناسبة سعيدة كهذه للانتقاص من النساء وإغضابهن.

ومن حيث من وُجه إليهن الحديث، فلم يثبت عن النبي وصف النساء بهذا الوصف في موضع آخر، وقد ذكره في هذا الموقف فقط. والفئة الموجه إليها الحديث هم نساء الأنصار، اللاتي يقول عنهن عمر: فلما قدمنا على الأنصار إذا قوم تغلبهم نساؤهم، وهو ما يفسر قول: أذهب للب الرجل الحازم.

يتضح من الصياغة استخدام المجاز لا الحقيقة، فحين قال: أذهب للب الرجل الحازم، لا يعني المعنى الحقيقي لضياع عقل الرجل، وإنما المقصود المجازي: مجرد تغلب النساء. كذلك لا يُستبعد أن قوله: ناقصات عقل ودين هو مجاز للملاطفة، لا يعني نقص الذكاء البشري، قدر ما يشير لبناء صورة لامرأة ضعيفة، رقيقة، ناقصة الحيلة والخبرة العملية، تتغلب على رجل حازم.

ومن حيث الأسلوب، فلا نجد الحديث يقر قاعدة تشريعية عامة، قدر أنه تَعَجُب من واقع مُلاحظ؛ فكيف استطاعت هذه النساء الضعيفات، قليلات الحيلة، التغلب على رجالهن الحازمين؟! وهي مفارقة تثير التعجب والمداعبة.

كل آية وكل حديث وكل أثر يقدِّم رصدًا للواقع، هو يرصد واقع مقيد بزمان ومكان وبيئة محددين، وعند تغير الواقع، يتغير الرصد. أما تعميم الرصد، فهو تطبيق للآية أو الحديث أو الأثر في غير محله.

يقول خالد محمود: كل ما ورد في القرآن إخبارًا عن الواقع، فلابد من اعتبار ظروف ذلك الواقع في معنى الكلام، ومن أمثلة ذلك:

(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ)، فإن الإخبار بهذا عن عموم الناس إنما كان باعتبار ظروف عصرهم، وقد تغير الحال اليوم، وانصرف الناس عن اشتهاء الخيل المسومة إلى المركبات والأسلحة الحديثة، وصار الجاه والثراء بامتلاك الشركات والمصانع أكبر بكثير جدًا من اقتناء الأنعام والحرث.

(لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى)، هو رصد خاص بزمنه كسائر أخبار القرآن عن الواقع، وليس فيه دلالة على استمراره في جميع الأزمنة.

(وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ)، فإنه خاص بزمن الخطاب، ولا يقال بوجود المنافقين دائمًا في أهل المدينة ومن حولهم(5).

ومن هنا كانت ملاحظة النبي عن النساء المخاطَبين هي ملاحظة تخصهن فقط، وليس شرطًا أن تكون كل النساء ناقصات عقل ودين ويتغلبن على الرجل الحازم.

الحكم على النوع لا يعني الحكم على الشخص؛ فقد نحكم بأن سكان القرى على العموم أقل خبرة من سكان المدن، ولا ينفي ذلك أن أحد سكان القرى قد يكون أكثر خبرة من أحد سكان المدن. كذلك لا تعني هذه الملاحظة أن كل امرأة ناقصة عقل ودين، بل هو حكم على الأغلب.

المعنى العام للحديث لا يقر بنقص المرأة، بل يقر بالعكس، وهو تغلبها وسيطرتها على الرجل الحازم.

هل ناقصات دين؟

ترك المرأة للصلاة والصيام عند الحيض هو أمر من الله، فالمرأة إن صلت وصامت أثناء حيضها تصبح عاصية، لذلك تركها للصلاة والصوم عندئذ هو طاعة تُثاب عليها.

وإن كان الوضع هكذا، فلا يُسمى الترك هنا نقص بمعنى عدم اكتمال الدين، وإنما هو مجرد نقص عددي فقط. مثلما نقول: المسافر ناقص دينًا مقارنة بغيره، لأنه يُقصِر صلاته! فهل يعني ذلك انتقاص دين المسافر، أم مجرد ملحوظة طريفة لمداعبته؟!

وبالتالي فهم أن دين المرأة وتقواها أقل منه عند الرجل هو فهم مختل!

هل ناقصات عقل؟

نقص العقل يحتمل معنيين:

– نقص فطري: أي أن تركيب عقل المرأة ناقص وعاجز وغبي. ولو كان هذا هو المقصود، للزمه عدم مساواة المرأة بالرجل في المسئولية الدينية والجنائية والمدنية، لكن الإسلام لا يقر أي تفرقة بين الجنسين في ذلك.

يقول القاضي عبد الجبار: إن العقول لا يجوز أن تتفاوت، لكون العقل مناط التكليف، أي مُتَعلَّقُه ومورده، ومتعلق التكليف لا يتفاوت بأصل الفطرة، وإنما يتفاوت بالعوارض، ولا اعتداد بذلك، والرجال والنساء في التكليف على السواء، فلا بد من الاستواء فيما هو مناله، وهو العقل(6).

– نقص عَرَضي: أي نتيجة تعرض امرأة لظروف خاصة، كعدم المشاركة المجتمعية، والسياسية، والمالية، والانعزال في البيت، فينتج عنه نقص معلومات وخبرة.

والأمثلة التي يطرحها الحديث ترجح أن هذا النقص هو المقصود. وهو نقص خبرات نتاج عدم المشاركة السياسية والمالية والاجتماعية.

يعرض د. عبد الحليم أبو شقة تجارب علمية للكشف عن اختلاف عقول الرجال والنساء، لتثبت أنه قبل البلوغ لا نجد اختلافات كبيرة بين النوعين، أما بعد البلوغ فنجد أن الاختلافات العضوية والهرمونية تسبب اختلافات بين عقول النوعين، إلا أنها اختلافات تفصيلية وليست امتيازات تُفضِّل نوعًا على آخر، مثلًا نجد عموم الرجال أكثر دقة في الحسابات الرياضية، وعموم النساء أكثر دقة في التحليلات والتفسيرات النفسية.

كما تثبت الدراسة نقطة هامة: أنه كلما زادت مشاركة المرأة في النشاطات الاجتماعية، كلما قل الاختلاف بينها وبين الرجال، مما يثبت أنه كما أن للاختلاف البيولوجي دور، إلا أن للعوامل البيئية الدور الأكبر(7).

هل شهادة المرأة نصف شهادة الرجل؟

أولًا: يجب التفريق بين الشهادة والإشهاد؛ فالشهادة التي يعتمد عليها القضاء في اكتشاف العدل، المؤسس على البينة واستخلاصه من ثنايا دعاوى الخصوم، لا تتخذ من الذكورة أو الأنوثة معيارًا لصدقها أو كذبها، ومن ثم قبولها أو رفضها، وإنما معيارها تحقق اطمئنان القاضي لصدق الشهادة، بصرف النظر عن جنس الشاهد، ذكرًا كان أم أنثى، وبصرف النظر عن عدد الشهود.

فللقاضي إذا اطمأن ضميره إلى ظهور البينة أن يعتمد شهادة رجلين، أو امرأتين، أو رجل وامرأة، أو رجل واحد، أو امرأة واحدة، ولا أثر للذكورة أو الأنوثة في الشهادة التي يحكم القضاء بناءً على ما تقدمه له من البينات.

لذلك قَبِل النبي شهادة امرأة واحدة في الرضاع، وتُقبل شهادة المرأة منفردة في هلال رمضان، وتُقبل روايتها للحديث، الذي هو أهم وأخطر من الماليات.

أما الإشهاد: فهو حين يعطي دائن مالًا إلى مدين، حينئذ يطلب من البعض الشهود على عملية المداينة، ليحفظ حقه، ويوثق الدَّيْن، وهو ما تذكره الآية: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى)، فالآية تتحدث عن أمر آخر غير الشهادة أمام القضاء، تتحدث عن الإشهاد الذي يقوم به صاحب الدَّيْن(8).

يقول ابن القيم: فإن قيل: القرآن يدل على أن الشاهد والمرأتين بدل عن الشاهدين، وأنه لا يُقْضى بهما إلا عند عدم الشاهدين.

قيل: القرآن لا يدل على ذلك، فإن هذا الأمر لأصحاب الحقوق بما يحفظون به حقوقهم، فهو سبحانه أرشدهم إلى أقوى الطرق، فإن لم يقدروا على أقواها انتقلوا إلى ما دونها.

وهو سبحانه لم يذكر ما يحكم به الحاكم، وإنما أرشدنا إلى ما يُحفظ به الحق، وطرق الحكم أوسع من الطرق التي تُحفظ بها الحقوق(9).

ثانيًا: هل الأمر في الآية للوجوب أو الندب أم للإرشاد؟

يتفق ابن كثير، وابن العربي المالكي، والجصاص، والقرطبي، والرازي، والشافعي، وابن تيمية، وابن القيم، وغيرهم، على أن الأمر في الآية على الإرشاد(10). والمقصود بالإرشاد: أنه أمر دنيوي وليس دينيًا، ففاعله لا يُثاب، وتاركه لا يُعاقب. وذلك لأن حفظ الديون هنا من أمور الدنيا التي تخرج عن التعبد، فصاحب الدَّيْن إن أراد ألا يستوثق على دَيْنِه، فلا حرمة عليه، وإن أراد التنازل عن ماله كله للمدين، فهو حقه.

إن الآية تقترح الحد الأقصى للتوثيق: كتابة الدَّيْن، وإملاء الذي عليه الحق، وإن لم يستطع فليملل وليه بالعدل، وإشهاد رجلين من المؤمنين، أو رجل وامرأتان من المؤمنين، وأن يكون الشهود ممن ترضى عنهم الجماعة. وليست هذه الشروط مطلوبة في التجارة الحاضرة، ولا في المبايعات. والآية ترى في هذا المستوى من التوثيق الوضع الأقسط والأقوم، وذلك لا ينفي المستوى الأدنى عند التعذر.

ثالثًا: يبقى السؤال الأهم: لماذا إشهاد امرأتين يعادل إشهاد رجل؟ هل لأن طبيعة المرأة النسيان ونقص العقل؟ هل إشهاد رجل يساوي إشهاد امرأتين دائمًا؟

النساء حينئذ لم يشارك أغلبهن في المعاملات المادية، فنتج عن ذلك قلة خبرتهن في المداينات، فليس من تمام التوثيق للدائن إشهاد امرأة واحدة عديمة الخبرة المالية، وهنا لو أسقط القرآن إشهاد النساء عمومًا، لكان أمرًا طبيعيًا، إلا أنه شاء مشاركة المرأة في الماليات، فارتضى شهادة امرأتين، حتى تزداد خبرتهن، ويمكن الاعتماد على الواحدة منهن.

يقول ابن عاشور: الآية ترمى إلى تعويدهم بإدخال المرأة في شئون الحياة؛ إذ كانت في الجاهلية لا تشترك في هذه الشئون(11).

وهو ما يتسق مع السلوك العام للقرآن؛ إذ يستغل كل مناسبة ليقحم المرأة في العمل العام، فيقول: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)، فاستغل المناظرة العلمية الدينية ليستدعي المرأة للمشاركة.

ولو زالت العلة، وهي ضعف الثقافة المالية، ووجد الدائن امرأة ذات خبرة مالية، فله أن يستشهد رجلين، أو امرأتين، أو رجل واحد، أو امرأة واحدة، المهم أن يثق فيمن استشهده.

يقول ابن تيمية: ما كان من الشهادات لا يُخاف فيه الضلال في العادة، لم تكن فيه شهادة المرأة على نصف الرجل(12).

ويقول ابن القيم: إذا عقلت المرأة وحفظت وكانت ممن يوثق بدينها، فإن المقصود حاصل بخبرها كما يحصل بأخبار الديانات، ولهذا تقبل شهادتها وحدها في مواضع، ويُحكم بشهادة امرأتين(13).

ويقول محمود شلتوت: المقام مقام استيثاق على الحقوق، لا مقام قضاء بها. والآية ترشد إلى أفضل أنواع الاستيثاق الذي تطمئن به نفوس المتعاملين على حقوقها.

وليس معنى هذا أن شهادة المرأة الواحدة، أو شهادة النساء اللاتي ليس معهن رجل، لا يثبت بها الحق، ولا يحكم بها القاضي، فإن أقصى ما يطلبه القضاء هو البينة، وقد حقق العلامة ابن القيم أن البينة في الشرع أعم من الشهادة، وإن كل ما يتبين به الحق ويظهره هو بينة يقضي بها القاضي ويحكم، ومن ذلك يحكم القاضي بالقرائن القطعية، ويحكم بشهادة غير المسلم متى وثق بها واطمأن إليها.

واعتبار المرأتين في الاستيثاق كالرجل الواحد ليس لضعف عقلها الذي يتبع نقص إنسانيتها ويكون أثرًا له، وإنما هو لأن المرأة – كما قال الأستاذ محمد عبده – ليس من شأنها الاشتغال بالمعاملات المالية ونحوها من المعاوضات، ومن هنا تكون ذاكرتها فيها ضعيفة، ولا تكون كذلك في الأمور المنزلية التي هي شغلها، فإنها فيها أقوى ذاكرة من الرجل. ومن طبع البشر عامة أن يقوى تذكرهم للأمور التي تهمهم ويمارسونها، ويكثر اشتغالهم بها(14).

والآية جاءت على ما كان مألوفًا من شأن المرأة – ولا يزال أكثر النساء كذلك – لا يشهَدْن مجالس المداينات، ولا يشتغلن بأسواق المبايعات. واشتغال بعضهن بذلك لا ينافي الأصل الذي تقضي به طبيعتها في الحياة.

وإذا كانت الآية ترشد إلى أكمل وجوه الاستيثاق، وكان المتعاملون في بيئة يغلب فيها اشتغال النساء بالمبايعات وحضور مجالس المداينات، كان لهم الحق في الاستيثاق بالمرأة على نحو الاستيثاق بالرجل متى اطمأنوا إلى تذكرها وعدم نسيانها على نحو تذكر الرجل وعدم نسيانه.

هذا وقد نص الفقهاء على أن من القضايا ما تُقبل فيه شهادة المرأة وحدها كالولادة، والبكارة، والقضايا الباطنية، وهي القضايا التي لم تجر العادة باطلاع الرجال على موضوعاتها(15).

وختامًا يقول ابن حزم: من الرجال من هو أنقص دينًا وعقلًا من كثير من النساء. فإن سأل عن معنى هذا الحديث، قيل له: قد بيَّن رسول الله وجه ذلك النقص، وهو كون الشهادة على المرأة على النصف من شهادة الرجل، وكونها إذا حاضت لا تصلي ولا تصوم، وليس هذا بموجب نقصان الفضل ولا نقصان الدين والعقل في غير هذين الوجهين فقط؛ إذ بالضرورة ندري أن في النساء من هن أفضل من كثير من الرجال وأتم دينًا وعقلًا غير الوجوه التي ذكر النبي.

وليس ذلك مما ينقص الفضل، فقد علمنا أن أبا بكر وعليًّا لو شهدوا في زنا، لم يحكم بشهادتهم، ولو شهد به أربعة منا عدول في الظاهر، حكم بشهادتهم، وليس ذلك بموجب أننا أفضل من هؤلاء المذكورين، وكذلك القول في شهادة النساء(16).

إذًا فزيادة (ناقصات عقل ودين) مشكوكٌ في نسبتها إلى النبي. ولو صحت، فهي مجرد مداعبة من النبي لنساء المدينة في يوم العيد، كأنه يقول: عجيب أمر نساء المدينة؛ فظاهرهن الرقة وقلة الحيلة وقلة الخبرة، ورغم ذلك يتغلبن على عقل الرجل الحازم!

فهل في ذلك تشريع؟ هل في ذلك تعميم؟ هل في ذلك انتقاص من عقل المرأة الفطري؟ هل أنكر دينها وتقواها؟ هل سفَّه من رأيها؟ هل منعها من الشهادة أو القضاء أو الرئاسة؟  

وبذلك نقر ما هو بديهي: عقل المرأة ليس أقل ذكاءً، أو حكمةً، أو اتزانًا من الرجل. ودين المرأة ليس أقل تقوى، ولا ورعًا من دين الرجل.