تنظر من الطائرة وترى أضواء القاهرة وهي تبعد عنك، لقد خسرت شيئًا ما لكي تجلس في هذا المقعد، مالًا أو أهلًا أو أصدقاء، لابد أن تخسر شيئًا، لا توجد غربة بدون ثمن باهظ يُدفع.

لقد جئت إلى هنا بالصدفة البحتة، وبسرعة شديدة لم تُكن مخططًا لها أو حتى في حساباتي في أقل من شهرين، ووافقت لأسباب شخصية بحتة وبسبب حبي للمغامرة  وللعلم لم أكن غنيًا ميسورًا الحال في بلدي، فأنا من الطبقة التي تحسب آخر الشهر وتسدد أقساط وديون متراكمة ودائمة، ولكن الذهاب إلى بلد على بعد 25 ساعة كان دائمًا يبدو لي على أنه منفى أو هروب، وليس حلًا لأي شيء وكل شيء في الحياة له مميزات وعيوب، لا يوجد حلول سحرية، وإن كنت أعتقد بشكل عام أن السفر له فوائد (وليس الهجرة).

 ثم تنزل من الطائرة لترى أشياء مختلفة  عن ما تراه على الطريق الدائري، ولكنها ليست مبهرة بأي مقياس، فقط مجموعة من البشر يحترمون القانون.

ولكن مهلًا لماذا ذاك الصديق المصري الجديد الذي جاوز عامه الأول أو الثاني يبدي انبهاره الشديد كيف إن البشر على هذا الكوكب يعبرون الشارع من منطقة عبور المشاة، وأن يا للعجب كيف تسير المركبات بسرعات محددة وسهولة إجراء المعاملات الحكومية، لا أعرف إن كان هذا طبيعيًا أو لا، ولكني لم أشعر للحظة بأي إنبهار في أي من تلك الأشياء، نعم أنا أفضل حالًا من انتظار مدام مديحة للتعطف على حالي وإمضاء ورقة حكومية في مصر، ولكن كونك تعاملني كإنسان ليس فضلًا أو تفضلًا ولا يوجد ما يدعو للانبهار فيه، إذًا لماذا كل هذا الانبهار؟ هل هي عقد الخواجة التي طالما سمعت عنها؟ انتظرت كثيرًا حتى قابلت أناس أخرون لأسمعهم يتحدثون عن نفس الأشياء بفخر شديد وللأسف نحن العرب نُجيد لعبة المقارنات جيدًا (لو كان عربيًا لفعل ذاك، لو كنا في المكان الفلاني في بلدنا لحصل ذاك) ونتلذذ بجلد ذاتنا والتهكم على أنفسنا وحالنا  هناك من تلك النوعية من المهاجريين من يجعل ذلك الانبهار وسيلة عليه تذكير نفسه بها كل يوم ربما لإرضاءها بحكمة وصواب قراره.

 احتقار الذات وجلدها من أمراضنا المتأصلة فينا، وضعنا تحت الاستعمار جعلنا نؤمن بإن كل ما نملكه من أرث ثقافي هو محض هراء، العرق الأبيض صار سيدًا بحق، وهناك من يتبعه بصدق وإيمان وحقيقي، هؤلاء ضحايا الإمبرالية الثقافية، أنا لا أجهل مشاكل بلدي السياسية والاقتصادية، ولي من المدونات والآراء ما يثبت ذلك، ولكن المشكلة الحقيقة تكمن في أن جميع من رأيتهم في الغربة لم يتأثروا بقمع السلطة تأثرًا مباشرًا أو غير مباشر، وغالبية الظن إن كانوا ساروا في الظل لم يكن ليصيبهم شيء من قمعها مثلهم مثل ملايين المصريين والعرب، المثير للدهشة إن نفس هؤلاء المغتربين يمارسون رياضة السير في الظل في كل الأوقات فهم لا يعترضون تمامًا على أي شيء في الخليج ولا يجرؤون، وفي الغرب يصيبهم ذعر حقيقي إن فعلوا مخالفة خوفًا من الترحيل أو الحرمان من امتيازات الإقامة والجنسية وطبعًا لا يعترضون على أي قرار حتى لو كان عنصريًا وقمعيًا في حقهم اعتراضًا حقيقيًا.. ربما يبررون لأنفسهم عند لحظات الضعف لماذا أتوا، الشعور بأنك كنت على وشك التعرض للقمع عذر ممتاز لنفسك لكي تُشعر بأنك موسى وقد خرجت من عند فرعون بأهلك ولكي تجيده يمارس بعضهم مهمة البحث عن الأخبار السلبية طوال الوقت، بل للأسف رأيت كثيرًا ممن يفرح عندما يسمع عن حادثة أو كارثة بسبب حقده أو كرهه نظامًا أجبره على القدوم للغربة من وجهة نظره، أو حتى يجد مبررًا أقوى لنفسه للبقاء وعدم التفكير في العودة مطلقًا، ولكن ذلك المرض لم أستطع فك جميع ألغازه حتى الآن.

نأتي لعملية الاندماج، نحن شعوب تمتلك هوية ثقافية ودينية قوية جدًا ومؤثرة في التكوين النفسي لنا، ولذلك عمليات الاندماج في المجتمعات الغربية تكاد تكون مستحيلةً في الجيل الأول؛ لأنه لا يكفي أن تنسى الوطن للاندماج، ولكنك يجب أن تنسى أنك نسيته، ليس فقط بسبب الدين، ولكن حتى ثقافيًا، هم مختلفون، أنت لم تر أفلامهم وإعلاناتهم التي ضحكوا عليها في القرن الماضي وإجادتك للغتهم لن يكون شفيعًا لك في أن تفهم ماذا يضحكهم، وما هي ذكرياتهم الجمعية كشعوب، عمليات تكوين الصداقة تأخذ وقت، والحكومات المشرفة على الهجرة تعلم ذاك جيدًا ولذلك هم يلعبون على الوقت  وحفيدك، أنت في غالبية الظن لن تغير دينك أو عاداتك، وابنك كذلك، ولكن علميًا بنسبة 95% حفيدك سوف تكون هويته مثل هويتهم الثقافية والدينية، وعدم الشعور بالاندماج يعمق إحساس الغربة أكثر لأنك تسعى لتكوين مجتمع بداخل المجتمع، بالنسبة للإسلاميين ما الوطن إلا حفنة من تراب، وهم متأقلمون على هذا الوضع منذ كانوا في أوطانهم، ولكنهم جميعًا إسلاميون أو مواطنون عاديون يبررون ذلك ويرون أن هذا الانعزال صحي ومفيد، بل يعتقدون أنهم يستطيعون استنساخ أوطانهم التي لا يملون من التنمر عليها بداخل تلك الأوطان الجديدة، فترى نفس الأكل والمقاهي والعادات في محاولات مريرة لاستنساخ الوطن من أجل إرضاء نفسه أو إسعادها.

نتيجة لذلك إحصائيًا يصيب المغتربين الكثير من أمراض علم النفس، وخاصة الاكتئاب والمشكلة الأساسية في علاج أي مرض نفسي هو اعتراف المريض بمرضه أولًا وتشخيصه، ثم علاجه، هم لا يعلمون أنهم مكتئبون، ولكنهم يصرفون كل ما يجمعون من مال من أجل إسعاد نفسه بأي شيء، وأحيانًا أخرى يركز على الجمع ومسك يده عن الصرف تمامًا أملًا في العودة، أو في الحياة الباذخة التي كان يحلم بها وهو جالس على مقعد الطائرة، (وكأن نظام الهجرة غير واع لتفكيرك في ذلك وصمم النظام لتجنب ذلك قدر المستطاعك 90% من المهاجرين الذين عادوا لأوطانهم عادوا مرة أخرى لبلاد الهجرة في أقل من سنة).

كم  الكبر والكره غير المبرر الذي رأيته عند كثير من  المغتربين كان أكثر من ناس عاصرتهم دخلوا وخرجوا من سجون القمع ولم يخلقوا لأنفسهم عوالم الأعذار، ولم يكرهوا أوطانهم التي لفظتهم وإن كرهوا أنظمتها، أردت أن أذٌكَر نفسي دائمًا لماذا لا يجب أن أكون مثلهم ولذلك كتبت هذا المقال وربما في يومًا ما أكتب عن أسباب أخرى.

تنويه هام: لأسباب كثيرة أنا لا أعتبر من هم في الخليج العربي في غربة عن الوطن كاملة نتيجة كثرة المواطنين من كل البلاد العربية، وعدم اختلاف العادات أو التقاليد أو الدين أو اللغة وحتى نظم الإجازات، بالإضافة لانعدام الفرص في إقامة طويلة الأمد فهم أقرب للعمالة الموسمية التي سوف تعود أجلًا أو عاجلًا، وهذا المقال لا يعبر عنهم، ولكن يُمكن أن تلحق به بعض أمراض الغربة في كل مكان وزمان.