ينتابنا الحنين إلى الماضي كلما زرنا أماكن، أو قابلنا أشخاصًا تجمعنا بهم ذكريات خاصة، أو كلما فشلنا في التأقلم مع أوضاع أجبرتنا الظروف على القبول بها. ويعتبره علماء النفس من الحيل الدفاعية التي يلجأ إليها العقل الباطن لحماية الإنسان من التوتر والتقليل من الضغوط النفسية؛ إذ بمجرد أن تبدأ المشاعر السلبية في الظهور يقوم العقل لاشعوريًا باستدعاء ذكريات الماضي الإيجابية فتزوده بشحنة من الدفء والتفاؤل للتعامل مع حالة الإحباط الحالية. وفي مقال نشرته قبل شهور أكدت أستاذة علم النفس الأمريكية كريستين باتشو أن التغيير والتطور سنة من سنن الحياة، لكن الإنسان برغم ذلك يبحث دومًا عن الاستقرار؛ ما يجعله يستذكر الماضي بشيء من الحبّ، لأنّه يعطيه أمانًا نفسيًا وشعورًا بالتأقلم وقد أثبتت الدراسات أن حوالي 80% من الأشخاص تنتابهم حالة حنين إلى الماضي مرة أسبوعيًا على الأقل.

من منا لم يستحضر ذكرى الترابط الأسري والعلاقات الأخوية الدافئة بين الأهل والجيران أمام منظر أفراد الأسرة المنكبين على هواتفهم النقالة أو حواسيبهم الشخصية والذين غالبًا ما تمضي الأمسية دون أن يتبادلوا كلمة واحدة، بل قد يتحدثون مع بعضهم البعض بالرسائل النصية.

كم راودتنا بشوق صورة الانضباط والاحترام الذي كان يبديه الأطفال والمراهقون لآبائهم ومدرسيهم أمام ما نراه حاليًا من حالات العقوق والتمرد والعنف الذي لم تسلم منه حتى المؤسسات التربوية وأطر التدريس. وكيف كانت قدوة الصغار تتجلى في الآباء والأساتذة والعلماء، أما الآن فأصبح مثلهم الأعلى أبطال الرياضة ونجوم الغناء والسينما.

كم تنهدنا بحسرة متذكرين أغاني أم كلثوم وعبد الوهاب وفطاحل الزمن الجميل ونحن نجد أنفسنا مجبرين على سماع الأغاني الهابطة التي تذاع في وسائل النقل العمومية أو في محلات بيع الأشرطة والأقراص المدمجة.

من منا لا يتذكر صدق العلاقات الإنسانية وعمقها وكيف كان الناس يحكمون ضمائرهم ومبادئهم كلما أجبرته الظروف على التعامل مع أشخاص تحكمهم جيوبهم وغرائزهم.

كم داعبت خيالنا ذكرى زيجات الماضي التي لا تنتهي إلا بموت أحد الطرفين أمام الإرتفاع المهول لحالات الطلاق والخلع وقضايا النفقة وذكريات التآخي والتسامح أمام مذابح الصراعات الطائفية والعقائدية.
يوميًا تقشعر جلودنا ونحن نسمع عن حوادث لم نكن نتخيل ونحن أطفال حتى إمكانية حدوثها كزنا المحارم وحالات الشذوذ الجنسي والجرائم في حق الأصول والفروع والتي أصبحت تمثل أخبارًا مألوفة على صفحات الجرائد والقنوات الفضائية.

لا يقتصر تعلقنا بالماضي على المشاعر فقط، بل كثيرًا ما نترجم هذا الإحساس إلى تصرفات كالولع باقتناء التحف الأثرية القديمة التي تقام لها معارض ومزادات عالمية وتُدفع مقابلها مبالغ خيالية أحيانًا، أو الإصرار على اختيار ديكور البيت أو المكتب بذوق كلاسيكي وهو أمر استغلته أغلب الشركات العالمية الكبرى في إعلاناتها وأفكارها التسويقية، حيث أكدت العديد من الدراسات أن تعرض الإنسان لحالة الحنين إلى ماضيه يرفع من رغبته في شراء أشياء تمثل ذكريات رائعة، ثم يصبح شديد الاستعداد لدفع أمواله بسهولة أكبر حتى ينتشي بنفس الأحاسيس والعواطف التي عاشها في المرة السابقة أي تصبح المسألة كالإدمان تمامًا.

إن البحث عن السعادة المؤقتة في أشرطة الماضي ساهمت في ترسيخه السينما العربية كذلك حيث تكتفي جل المسلسلات والأفلام بعرض التقهقر والانحطاط الذي أصاب القيم الإنسانية، بينما انهمك صناع السينما الغربيون في إخراج أفلام تصور الحياة في أزمنة مستقبلية واقتراح حلول للمشاكل التي قد تواجه الإنسانية مستقبلًا كالاكتظاظ السكاني وغزو الكواكب وجفاف الموارد المائية وتحكم الآلات بالبشر.

ونحن نعيش يوميًا كل هذه المقارنات، من المنطقي أن يصبح الماضي بالنسبة إلينا هو الفردوس المفقود، لكن رغم ذلك لا يجب أن نجعله قوقعة ننعزل فيها صحبة الخذلان والمشاعر السلبية، بل فرصه للاستفادة من التجارب والخبرات السابقة تمنعنا من الوقوع في نفس الأخطاء وتساعدنا في بناء مستقبل أفضل، ولا أن نجعل منه كذلك مبررًا لمقاومة التطور والتغيير وقتل روح الإبداع لدى الأفراد؛ لأن كل حضارة تنغلق على نفسها وتنهمك في اجترار ماضيها، فإن مصيرها الفناء.