سينشئ الطرفان، التركي والروسي، نقاط مراقبة عسكرية مشتركة في إدلب شمال سورية، مع تسيير دورياتٍ مشتركة للقوات التركية والشرطة العسكرية الروسية، كما سيتم سحب الأسلحة الثقيلة، وفتح طريقي حلب – اللاذقية وحلب – حماة.

يشير الاتفاق بين الرئيسين، الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان في منتجع سوتشي الروسي، إلى أن كابوس الكارثة الإنسانية الذي كان يلاحق أهالي محافظة إدلب ومقاتليها ومحيطها قد تبدّد، على الأقل مؤقتاً، بالإعلان عن بنود اتفاق، يقضي بإقامة منطقة منزوعة السلاح، على طول خط التماس بين مناطق سيطرة نظام الأسد  ومليشيات نظام الملالي الإيراني ومناطق سيطرة المعارضة والتنظيمات المتشدّدة، وفق ما يشبه خريطة طريق، تلزم فصائل المعارضة وسواها تسليم سلاحها الثقيل والمتوسط، مع تسيير دوريات مشتركة روسية تركية في المنطقة العازلة أو المنزوعة السلاح.
وجاء الاتفاق الروسي التركي بشأن إدلب ومحيطها بعد اتصالاتٍ ولقاءاتٍ مكثفة بين مسؤولين سياسيين وقادة عسكرين أتراك ونظراء لهم روس، توّجت بعقد قمة سوتشي، وذلك بعد فشل قمة طهران الثلاثية في الاتفاق على التعامل مع الوضع في هذه المنطقة. غير أن الاتفاق رمى المسؤولية على الجانب التركي في سحب أسلحة فصائل المعارضة، وانسحاب مقاتلي التنظيمات المتشدّدة، وخصوصا هيئة تحرير الشام ومن لفّ في فلكها، وهو أمرٌ يتوقف على الطريقة التي ستتبعها تركيا مع الجماعات المتشدّدة لحملها على الانسحاب من المنطقة العازلة، إذ ليست واضحةً الكيفية التي ستلجأ إليها، خصوصا وأن انسحاب هذه الجماعات وتجميعها في مناطق معينة يُبقي على الذريعة التي يستخدمها الروس عادة للقيام بعمليات عسكرية، فضلاً عن أن الساسة الروس لم يتخلّوا عن مطالبة الأتراك بفصل مجموعات المعارضة المعتدلة عن الجماعات المتشدّدة، ما يعني زيادة الضغط على الأتراك، وتعقيد مهمتهم في المنطقة.
ويبدو أنه على الرغم من تصريح وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، إنه لن تكون هنالك 
“أدرك الساسة الروس أن أي هجوم عسكري واسع على إدلب ومحيطها سيكون مكلفاً”

عملية عسكرية في إدلب، إلا أن الإصرار الروسي على ذريعة القضاء على الجماعات المتشدّدة يجعل الاتفاق الروسي التركي مجرّد عامل تأجيل لكابوس يخيم فوق رؤوس مدنيي محافظة إدلب، ومحيطها، خصوصا وأن الرئيس بوتين دعا، في أكثر من مناسبة، إلى “إبادة كاملة لجميع الإرهابيين في سورية”، الأمر الذي يبقي احتمال العمل العسكري الكارثي قائماً، ولو بعد حين.
ولعل حيثيات التوصل إلى اتفاق بين الرئيسين التركي والروسي بشأن الوضع في إدلب وجوارها كثيرة، يجسّدها تقاطع المصالح بين البلدين في سورية، حيث يستفيد الطرفان منه، ولذلك جاء لكي يؤكد حرص كل منهما على العلاقات المتنامية بينهما على مختلف الصعد، السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية، وكذلك تمتين التفاهمات بينهما في الملف السوري، وفي سواه من ملفات المنطقة، باعتبار أن الساسة الروس يعون جيداً أهمية موقع تركيا ودورها في سورية، ولا يرغبون في تهديد مصالحها. إضافة إلى أن روسيا قوبلت بردود فعل دولية قوية، خلال عمليات الحشد السياسي والعسكري، تحضيراً لمعركة إدلب، وخصوصا من طرف الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وحتى ألمانيا، الأمر الذي زاد من صلابة الموقف التركي الرافض أي عمل عسكري في منطقة إدلب ومحيطها، واعتباره تهديداً مباشراً لخاصرة تركيا الجنوبية الغربية، ولأمنها القومي.
وإذا كان الساسة الروس قد أدركوا أن أي هجوم عسكري واسع على محافظة إدلب ومحيطها سيكون مكلفاً للغاية، وخصوصا على الصعيد الإنساني، ويستدعي استنكاراً دولياً وأممياً، وردود فعل دولية قوية ضدهم، وضد نظام الأسد، إلا أن الأهم هو إدراكهم أن مليشيات نظام الأسد ونظام الملالي الإيراني لا تملك القدرة على اجتياح منطقةٍ تصل مساحتها إلى نحو عشرة آلاف كيلو متر مربع، ويوجد فيها آلاف المقاتلين من أبناء أهالي المنطقة وآخرون هجروا قسرياً إليها من مناطق مختلفة من سورية، إضافة إلى وجود مقاتلين من هيئة تحرير الشام وسواها، وبالتالي فإنه فتح معركة في إدلب ومحيطها ستشكل مهمة صعبة بالنسبة إليهم، ولحليفيهم نظامي الأسد وإيران.
ولا شك في أن الساسة الروس فضلوا التوافق، ولو مؤقتاً، مع الساسة الأتراك، حيال الوضع في إدلب ومحيطها، في اتفاق، يؤمن لهم عدم تهديد قواعدهم العسكرية في مطار حميميم 

“سيشكل تنفيذ الاتفاق الروسي التركي حيال إدلب وجوارها اختباراً حقيقياً للتفاهمات بين أنقرة وموسكو”

وسواه، ويرضي الطرف التركي، ويخفّف من هواجسه الأمنية، من خلال آلية مشتركة لإنشاء منطقة عازلة ومنزوعة السلاح، بعمق 15 إلى 20 كيلومتراً على خط التماس بين مناطق النظام والمعارضة المسلحة، حتى 15 أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، ما يعني ترسيم حدود مؤقت بين المعارضة ونظام الأسد، حيث تمتد هذه المنطقة من شمالي غرب حلب، وبالتحديد من جوار بلدة نبّل الخاضعة لسيطرة النظام، وتصل جنوباً إلى بلدة صوران في شمالي محافظة حماة، كما تمتد المنطقة العازلة إلى حدود مدينة حلب، وضمنها يقع طريق حلب – دمشق المارّ بمناطق سيطرة المعارضة، ثم تتصل شرقاً من بلدة صوران، وصولاً إلى بلدة السقيلبية غرباً. أما حدود المنطقة المنزوعة السلاح غرباً، فتمتد على طول سهل الغاب الأوسط وصولاً إلى جبل التركمان. وبموجب الاتفاق، سينشئ الطرفان، التركي والروسي، نقاط مراقبة عسكرية مشتركة فيها، مع تسيير دورياتٍ مشتركة للقوات التركية والشرطة العسكرية الروسية فيها، كما سيتم سحب الأسلحة الثقيلة بحدود التاسع من ديسمبر/ كانون الأول المقبل، وفتح طريقي حلب – اللاذقية وحلب – حماة.
وسيشكل تنفيذ الاتفاق الروسي التركي حيال إدلب وجوارها اختباراً حقيقياً للتفاهمات بين أنقرة وموسكو التي بدأت منذ نهاية عام 2016، واجترح على إثرها مسار أستانة بينهما، ثم التحق بهما نظام الملالي الإيراني الذي لم يجد، مثل النظام، سوى الإعلان عن قبوله الاتفاق الروسي التركي، لكن ذلك لا يلغي أبداً احتمالات الانتكاس الذي قد يعتريه، أو الخروق التي قد تأتي من مليشيات نظام الأسد أو رصيفه نظام الملالي الإيراني.