تتكاثر ظاهرة الدعاة الذين يتحدثون باسم الدين، ويحرضون على العنف بشكل مبتذل ولا عقلاني، الأمر الذي يحتم ضرورة المواجهة، لأن الاستبداد يعتمد على هؤلاء ويساعدهم، ما يعني أنه لا يمكن أن يُعوّل على مشروع إصلاحي في ظل الاستبداد.

منذ انطلاقتها، تُغدِقُ علينا يومياً أقنية فضائية، متنوعة الانتماءات والولاءات، كما وسائل تواصل اجتماعية، عشرات من الشرائط المصوّرة، يظهر في متنها “شيوخٌ” متعمّمون أو سواهم، ومن المذاهب كافة، يتحدّثون إلى جمهورٍ مستلبٍ جالسٌ أمامهم في صحن المسجد أو أمام رائيه يتابعهم فضائياً. وجُلُّ حديث هؤلاء يتمحوّر حول العبادات، في أدقّ تفاصيلها، أمام المُستلبين من العامة. وحيث إنه قد تبين للاستبداد السياسي ومؤازريه من رجال دين، بأن الخوض في تفاصيل العبادات يدفع غالباً إلى السيطرة الذهنية، ويُبعد المتابعين عن المحاكاة وعن التفكير العقلاني السليم.
وعدا عن أنهم يسعون دائماً إلى حصر المسألة الدينية في هذا الشق التنفيذي، كما في مزيجٍ مُتَفجّر من الترهيب والترغيب بما يُرضي السلطان، مهما كان، كما هو يُرضي حاشيته الممتلئة نقوداً ونفوذاً، فإن شيوخ الإعلام، الباحثين عن الظهور من خلال تقديم البرامج الدينية، أو الظاهرين بغير محض إرادتهم، نتيجة تصويرهم على منابرهم، ينبرون إلى الخوض في كل المسائل الحياتية والسياسية والعلمية والجنسية والاجتماعية، مُسندين دائماً حججهم إلى النص المُقدّس، وهو غالباً منها براء.
ومن خلال استعراض أغلب هذه الشرائط، يمكن لصاحب الحد الأدنى من العقل، ومن الحكمة، ومن الإيمان، أن يُصاب بصدمة هائلة أمام ما وصل إليه الجهل المنظّم في قطاع نشر “الوعي 
“يلجأ المستبد إلى حصر المسألة الدينية في العبادات وتفاصيلها، بعيداً عن المبادئ والأخلاق”

الديني”، وهو الذي يمكن اعتباره من أشد القطاعات تأثيراً على الجماعات البشرية في الدول الإسلامية. وحتى لا يتم اللجوء الى التعميم، يُمكن حصر هذه الصدمة خصوصاً بما يهرف به الناطقون بالعربية منهم، حيث إن الوصول إلى ما يرد على لسان الأندونيسيين والأتراك والباكستانيين، أو سواهم من المسلمين من غير العرب، صعبٌ في مرحلة البحث الأولى.
ويكاد المصاب ذاته بالصدمة نفسها أن يخال أن هناك مؤامرة تُحاك له، أو أن هناك إراداتٌ رثّة من المغرضين، ممن سوّلت لهم أنفسهم اللعب بسياق الكلام، أو تلفيق عباراتٍ لم يقترف الخوض فيها أيٌ من الشيوخ الأجلاّء. ولكن هذا المُشكك سرعان ما سينتبه إلى “مصداقية” الشريط، وإلى أن المُتحدّث إليه مباشرة أو عبر الفضاء، لا فضّ فوه، يتبحّر في بحور الجهل المؤدية بالناس إلى إحلال تعميمٍ سلبيٍ مشروعٍ على كل من تنطّح للعب دور الداعية من أي مذهبٍ كان.
تتنوّع المنتجات السمعية والبصرية من هذا النوع، فمنها إجاباتٌ عن أسئلةٍ يطرحها المشاهدون، أو أنها مقاطع من خطبة الجمعة في المسجد، أو أنها جلسةٌ حواريةٌ يُنشطها مذيعٌ، هو أشد بلاءً في تنميطه الجهل المقدس من بلاءِ الجهل الذي ينهمر من فوّهة الفم لمُجالسه الأكرم. وتمتلئ الشرائط بما يُمكن تسميتها الفضيحة المضحكة غالباً، مع أنها تحمل أيضاً دعواتٍ عنفية ودموية في حالاتٍ كثيرة. ولكن مجمل ما تتناقله وسائل التواصل هي مقتطفاتٌ سورياليةٌ حول كل الأمور. وإن كان الحكم على ما يصدر عن هؤلاء يعتمد على مبدأ المصيبة، فإن متابعة التعليقات على “تُرّهاتهم” مُحبطة للغاية، لأنها توضح مدى انهيار الحسّ النقدي لدى المُستَلَبين. وعندما يتصدّى بعض العقلاء بشجاعةٍ لإدانة هذه التشويهات عن سابق تصميم بالنص الديني أو باجتهاداته، فسرعان ما نجد من يدعو إلى عدم اعتبار هؤلاء الجهلة ممثلين عن الدين، أو متحدثين باسمه.
ليسوا بممثلين او متحدثين رسميين ومشروعين؟ بالتأكيد، هذا دقيق القول للإنسان العاقل، ولكن يمكن للإنسان نفسه أن يتساءل عما يفعله الممثلون والمتحدثون الشرعيون من علماء ومفكرين ورجال دين أمام هذا الفيضان العكر من الطروحات المسيئة للعقل وللمنطق وللعلم وللمجتمع، وحتى للأخلاق، وخصوصاً، للدين نفسه. أين هم؟ هل ابتلعوا ألسنتهم؟ أم هم يخافون التصدي لأولئك المشعوذين الذين صارت لهم “شعبية”، يمكن لها أن تسحب البساط من تحت أقدام عقلاء التفكير؟
في الغرب، وأمام الحجم الهائل من التجديف الإنساني لليمين المتطرّف وشعبويي اليسار كما 

“صار من الواجب أن يتم التصدي فكرياً لمجمل هذه الطفيليات التي تنخر عظم المجتمع”

اليمين، بعيداً عن رجال الدين، برزت أيضاً يوماً أصوات تدعو إلى إهمال التطرّق إلى حاملي هذا الخطاب. وقد وصل القول إلى أن مجرد التطرق هذا يعطيهم أهمية أكبر من حجمهم، ولا خوف على السياسة التقليدية التي لطالما أقنعت الشريحة الأوسع من الناس، ولكن هذه الاستقالة من التصدّي والاعتكاف عن الإدانة، أثبتت فشلها بسرعة، وصار من الواجب أن يتم التصدي فكرياً لمجمل هذه الطفيليات التي تنخر عظم المجتمع. وقد تسارعت المواقف والتحليلات للتصدّي، ونجاحها نسبي، ولن يُحسم إلا على المدى المتوسط أو حتى البعيد. فهل سيستمر العقلاء، وهم كثر، وأصحاب المشاريع الفكرية التنويرية، وهم قلّة، ودعاة التجديد والاجتهاد، وهم حذرون، في تجنّب التصدّي بوضوح لهذه الإساءات الموصوفة والمدانة للذكاء البشري؟
من الصعب جداً أن يحصل هذا الأمر، وخصوصاً في دول الاستبداد، وهي السائدة عربياً، حيث يلجأ المستبد إلى حصر المسألة الدينية في العبادات وتفاصيلها، بعيداً عن المبادئ والأخلاق، ليُسيطر، بمساعدة المتعمّمين الرسميين، على المُستلبة حقوقهم وحرياتهم، كما عقولهم. وبالتالي، لا يمكن أن يُعوّل على مشروع إصلاحي في ظل الاستبداد، حضن الجهل الدافئ.