معن البياري

تسلمت مدير عام منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو)، إيرينا بوكوفا، قبل أيام، رسالةً وقّع عليها نحو ثلاثمئة كاتب وأديب وإعلامي عربي، (بينهم كاتب هذه السطور) تستهجن صمت المنظمة الدولية بشأن حكم الإعدام على الشاعر الفلسطيني، أشرف فياض، في السعودية، وتطالبها بالتدخل لإنقاذ حياته، كما فعلت في قضايا شبيهة في الصين وغيرها. ويُشكر المنتدى الفلسطيني للثقافة والإعلام في باريس على صياغته الرسالة وإيصالها، في جهدٍ يُضاف إلى عشرات الفعاليات والتظاهرات في غير بلدٍ، عربي وأوروبي، وإلى بيانات منظماتٍ حقوقية وثقافية، انتصرت لحرية الشاب المحتجز، والذي قُضي، في نوفمبر/تشرين الأول الماضي، بحكم (ابتدائي) عليه بالإعدام، تطويراً لحكم سابق عليه بالسجن أربعة أعوام (و800 جلدة)، بذريعة سطورٍ في مجموعةٍ شعرية له نشرها في بيروت قبل سبعة أعوام، تم تأويلها إلحاداً، وهو ما نفاه الشاب. وقد أهاب مثقفون عرب بالعاهل السعودي أن يُغلق هذه القضية التي في غير صالح صورة المملكة، غير أن وزارة العدل أشهرَت بياناً، هدّدت فيه بمقاضاة كل من يشكّك في أحكام القضاء السعودي.


يُلفت النظر في القصة كلها أن مساندة المثقفين العرب إنقاذ أشرف فياض كانت واسعةً جداً، وهذا كله مبعث غبطةٍ. وليس حملاً للسّلم بالعرْض، ولا تنغيصاً على أصحاب النيّات الصادقة، في حملات مناصرتهم الشاب السجين، إشهار “نقطة نظام” هنا. موجزها أن بعض من وقّعوا على الرسالة إلى مديرة اليونسكو (يُفترض أن تردّ عليها)، وجمعوا بياناتٍ وعرائض، وأرسلوا مناشداتٍ إلى السلطات السعودية، ونشطوا في مواقع التواصل الاجتماعي من أجل أشرف فياض، بعض هؤلاء ما كانوا يفعلون ذلك إلا من باب النكاية بالمملكة العربية السعودية، وصدوراً عن مواقفهم الخاصة من الحكم فيها، بدليل أن صوتهم معدومٌ في قضايا حريّات عامة، وفي قضايا اعتقالاتٍ مريعة، في بلاد عربية أخرى.
بصراحةٍ، خرسك بشأن موت سجناء ومحتجزين ومختطفين في أقبية بشار الأسد، وزنازين عبد الفتاح السيسي، لا يجعل انتصارك لأشرف فياض موقفاً مبدئياً، بل يجوز حسبانه استعراضاً منك مرْجلتك وصوتك العالي ضد السعودية، لا لشيء إلا لأنها السعودية. من المريع أن نُصادف بين الذين طالبوا بتدخل إيرينا بوكوفا لإنقاذ أشرف فياض في الرسالة، البارعة الصياغة، هم ممن يسخرون من طلبك من العالم تدخلاً من أجل إنقاذ ناس مضايا من القتل جوعاً، فقناعتهم متوطّنة بأن حزب الله والجيش “العربي السوري” الهُمام لا يقترفان ضد ناس هذه البلدة المنكوبة أي جريمة، وإنما يتصدّون للإرهاب. نعم، هناك ممن وقّعوا على الرسالة التي تسلمتها بوكوفا، خرسوا، منذ اليوم الأول لانتفاضة أطفال درعا قبل نحو خمس سنوات، عن الانتصار لأي هتافٍ من أجل حرية المواطن السوري. وقفوا مع نظام الأسد، وتعاموا عن جرائمه، وصمتوا عن نزع حنجرة إبراهيم قاشوش، قبل أن تستجدّ داعش وجبهة النصرة وقصة الإرهاب هذه، ومنهم من أشهر موقفه البائس ذاك، لسبب وحيد، هو أن السعودية طالبت الأسد بشيء من الحكمة أولاً، ثم عارضته، ثم طالبت بتنحيه.
موجز القول، هنا، إن قضية أشرف فياض قضية حرية مواطنٍ عربي، وليست مسألةً لاستثمار خطابيٍّ ضد المملكة العربية السعودية. وإذا كان بين ظهرانينا، من أهل الكتابة والثقافة، من يروْن أن تقدميّتهم ويساريتهم لا تستقيمان من دون التفرّغ لتصيد السّوءات في هذا البلد، فإن النّصح الأوجب لهم أن يُخيّطوا بمسلةٍ أخرى. ببساطة، لأن الحوَل أخو العمى، ولأن الانتصار لحرية الشابّة السورية طل الملوحي (هل يتذكّرها أحد؟)، ولحرية الشباب المصريين من ثوار “يناير” المحتجزين في سجون السيسي لأنهم لا يسبحون له، هو الذي يأخذنا إلى مطالبة إيرينا بوكوفا بالمساعدة لإنقاذ أشرف فياض. ولا نظن أن هذا الشاب يحتاج مساندةً من أهل التشبيح بين أهل الثقافة والكتابة والشعر … في فلسطين خصوصاً.