لماذا نستعيد ذكرى ميلاد أو رحيل بعض الأشخاص بعد أن يغادروا الحياة، ولماذا عندما يتوقف القلب عن النبض لا تنتهى سيرتهم، ولماذا عندما يصل عطاؤهم نهايته يمتد التأثير ولا يضيع الأثر؟
تتنوع الإجابات لكن تستمر الظاهرة فى وطن لا يتوقف عن تقديم النماذج الفريدة والمتفردة رغم غلبة ملامح النضوب والجفاف على لوحة و ألوان أيامنا الجارية.

والأستاذ هيكل ــ الذى تحل ذكرى ميلاده ٢٣ من سبتمبر الجارى ــ واحد من هؤلاء الكبار، وفى مهنته كان مكانة وحده، طال القمة حتى نهايتها، وسطر للمهنة التى أنتمى إليها وأعتز بها تاريخا غير مسبوق لم يطله أحد قبله، ووضعها فى علو يكفى إذا أطللت منه ترى هول المنحدر الذى وصلنا إليه.

فى سنواته الأخيرة ــ خلال حوارات امتدت بيننا ــ كان يأسى لحال الصحافة وما وصل إليه حال الإعلام، و كان يردد أن الحلول المطروحة لعلاج هذه الأوضاع يزيد الامر تعقيدا ونتائجه سلبية؛ «لأن من مدّ يده فقد استقلاله»، ويرى أن احوال شباب المهنة باتت مقلقة لدرجة الخطر، وأن الإنقاذ يبدأ بهم لأنهم المستقبل وطاقة الامل والتغيير. وخطط لقيام «مؤسسة هيكل للصحافة العربية»، التى بدأت بتدريب الشباب داخل وخارج مصر، ثم واجهته عقبات عند محاولة إشهارها من حكومات تعددت لكنها أجمعت على عرقلة مشروعه احيانا بالإشارات الواضحة من جهات مسئولة، أو باستغلال الوسائل البيروقراطية فى أحيان أخرى.

وحتى عندما رحل تاركا التصرف فى أمر المؤسسة لأسرته من بعده، طبقا لوصيته، كانت النتيجة مشابهة، إلا من إضافة جائزتين سنويا بقيمة معتبرة للأعمال المتميزة لشباب الصحفيين بدأت من العام الماضى.. لكن ظل المشروع الطموح والشامل لهذه المؤسسة ــ الذى خصنى وقتها بنسخة تتضمن كل تفاصيله ــ يراوح مكانه لأسباب نستطيع أن نستنتجها.

نعم نستدعى الأستاذ هيكل ونتذكره هذه الأيام والمهنة فى محنة وهو الذى لم يساوم يوما على قناعاته رغم شدة خلاف كثيرين معه.. حاور عبدالناصر فى مناسبات عديدة حول تطور مهنة الصحافة والانتقال الصعب بها من العصر الملكى إلى عصر الثورة، والأوضاع التى تثير قلقه حول مستقبل العاملين فيها والظروف المحيطة بعملهم و كتب: «لم أكن مصرًّا على استمرار الملكية الفردية للصحف ولكنى كنت مشفقا على المهنة من التأميم، وأن ملكية الأفراد قد تكون أهون شرًا من ملكية الحكومة للصحف، وأن الصحيفة بتأثيرها قد تكون قوة ضاربة ضخمة لكنها فى تكوينها الداخلى مخلوق هش وشديد الحساسية، فهى بالدرجة الأولى إحساس بمناخ.. الإحساس بالمناخ يملؤها بالثقة فى قدرتها على ممارسة رسالتها أو يملؤها بالوساوس التى تأخذ منها قدرتها على ممارسة دورها». واقترح على جمال عبدالناصر فى سنواته الاخيرة فكرة الملكية التعاونية للصحف على غرار تجربة «الموند»، ورد عبدالناصر: «أنا معك أن أوضاع الصحافة تحتاج إلى بحث جديد.. وأنه لا يمانع على أن تبدأ التجربة بالأهرام ثم تعمم لباقى الدور الصحفية».. وعندما حانت الفرصة ووضع تصوره فى مشروع متكامل، جاء من عطل وعرقل لصالح الإبقاء على «صحافة النظام» و ليس «صحافة الشعب»!

وفى زيارة للاتحاد السوفييتى عام ٦٨ وعلى مائدة غداء رسمى أقيم تكريما للرئيس عبدالناصر، بحضور القادة السوفييت جميعا وجه عبدالناصر ــ الذى كان مستغرقا فى مناقشة مع بريجنيف دخل فيها «سوسلوف» المسئول عن الجانب العقائدى فى الحزب الشيوعى والوحيد الباقى من أيام لينين ــ الخطاب إلى هيكل ــ قائلا: «كنت أتحدث مع بريجنيف عن الصحافة وسألنى عن الأهرام وبالتحديد عن تجربتكم فيه وأن سوسلوف يسأل كيف تكون الأهرام جريدة سياسية جادة ومشروعا ماليا ناجحا؟! وراح هيكل يشرح «.. أن مشروع الأهرام الجديد جرى تمويله كله ذاتيا لم نأخذ فيه قرشا واحدا من الدولة ولم نتقدم من أجله بطلب قرض حتى من بنك... وأن هناك فرقا فى سياسة جريدة بين التزامها بفكر وإلزامها بخط، وأن المساحة بين الالتزام والإلزام هى نفسها المساحة بين «مسئولية الحرية» و«قيد الرقابة»، ثم أثر ذلك على ضمير القارئ وأثره بالتالى على الثقة بجريدة يفضلها وعلى سعة انتشارها ورواجها»، ولم يقنع رد هيكل القادة السوفييت وأرجعوه إلى «توجهه الغربى». وعندما اختلف مع كثير من سياسات السادات وعبر عن ذلك فى كتاباته متمسكا بحقه فى إبداء رايه لأن قناعته: «أن حرية الصحافة فى صميمها هى تناول طريقة صنع القرار إلى جانب نتائج القرار»، فى حين كان السادات يرى أنه «ليس من حق الصحفى مناقشة القرار السياسى؛ لأنها مسئولية الرئاسة»، وعندما أشار له هيكل ببعض نماذج ما يكتبه الصحفيون فى أوروبا وأمريكا ودور الصحافة هناك رد السادات بما هو محفوظ ومكرر من أى حاكم فى عالمنا العربى «إحنا مش أوروبا ولا أمريكا«»! وعندما أراد أن يختاره لمنصب سياسى حتى يترك الأهرام قال له هيكل: «إنه يستطيع أن يقرر أنه لم يعد يريد بقائى فى الأهرام، لكننى وحدى أقرر ماذا افعل بعد ذلك»، وترك الأهرام وأصدر بيانا مقتضبا: «إننى استعملت حقى فى إبداء رأيى على صفحات الأهرام، ثم استعمل الرئيس سلطته فى إبعادى عنه، وهكذا كل منا مارس ما لديه».

وظلت لنقابة الصحفيين مكانة خاصة عند هيكل ارتبطت باحترامه لنفسه ولمهنته ولمنظومة قيم حافظ عليها.. فعندما كتب سلسلة مقالات فى منتصف خمسينيات القرن الماضى على صفحات مجلة «آخر ساعة»، التى كان يتولى رئاسة تحريرها، هاجم فيها القيادات الصحفية القديمة وتناول موضوع المصروفات السرية التى كانت تدفعها وزارة الداخلية لبعض هؤلاء لضمان ولائهم، ونشر ما كان يرسل لهم من أخبار، وقامت الدنيا على هيكل، الشاب الذى «تجاوز فى حق الكبار»، وقررت النقابة إحالة هيكل للجنة تحقيق برئاسة شيخ الصحفيين حافظ محمود، ومثل هيكل أمام اللجنة ومعه محاميه الدكتور على الرجال، وكان تقدير هيكل للنقابة وشرحه أمام اللجنة لدوافع ما كتبه بهدف المصلحة العامة ودون قصد التعريض الشخصى بأحد «من الأساتذة وكبار الزملاء الذين انتقدهم» مدخلا لإنهاء الأزمة.

وفى أزمات كثيرة واجهت المهنة أو تعرض لها بعض الصحفيين كان داعما لموقف النقابة، ورافضا التنكيل بالزملاء أو نقل بعضهم إلى وظائف غير صحفية، ورفض تنفيذ قرار السادات بنقل ثمانين صحفيا إلى وظائف فى مصلحة الاستعلامات ووضع استقالته أمام الرئيس. بل أرسى سابقة مهمة فى رؤيته لدور النقابة، فعندما ترك الأهرام بعد قرار السادات تعيين الدكتور عبدالقادر حاتم رئيسا لمجلس الإدارة فى ٣١ يناير ١٩٧٤، كان رأيه أن يتم انتقال متحضر يليق بالأهرام ويليق به، فدعا صباح اليوم التالى واحد فبراير الدكتور حاتم ومجلس إدارة المؤسسة ومجلس التحرير، فى حضور مجلس نقابة الصحفيين، وسلمه تقريرا من العقل الإلكترونى عن اقتصاديات الأهرام وتوزيعه وأرباحه ثم غادر!

ثم كانت رسالته لأعضاء الجمعية العمومية التى اجتمعت فى ١٠ يونيو ١٩٩٥ احتجاجا على القانون٩٣ الذى استهدف وضع قيود على الصحفيين، وأطلق عليه قانون حماية الفساد حدثا مدويا فى تأثيرها والذى وصف فيها نظام مبارك بأنه «سلطة شاخت على مقاعدها».

وفى عام ٢٠٠٠ عندما اختارته النقابة للحصول على الجائزة التقديرية لأول مرة، جاء إلى النقابة وقال فى احتفال حاشد: «تكريم أى صحفى هو من سلطة قرائه وحدهم، لكن على الجانب المقابل وهذه المناسبة فإن صاحب الفضل هو نقابة الصحفيين، وفضلها ليس بالرتب كبيرة أو صغيرة، وليس بالألماس المرصع أو الذهب المشغول، وإنما هو الفضل المعنوى يحتاجه أولئك الذين ينتظرهم الغد، وفى نفس الوقت لا يستغنى عنه أولئك الذين وضعوا مستقبلهم وراءهم».

وعندما اختار أحد أدوار النقابة لتكون مقرا لمؤسسة هيكل والتقى النقيب جلال عارف وأعضاء المجلس فى أكتوبر ٢٠٠٥ لإبلاغهم بذلك، وقام بدفع نصف مليون جنيه مقدمًا للإيجار ثم تنازل عنه لصندوق المعاشات عندما أرجأ تنفيذ المشروع وقتها لأسباب يطول شرحها.

كثيرة هى اللقاءات والحوارات الممتدة بيننا.. وكم أحسست هذا العام مع إطلالة ذكرى ميلاده أنه قد ذهب وترك فراغا لم يملؤه أحد، ووجدتنى أسمع أصداء قلمه تردد: «احتفظوا بثقتكم فى الشعب المصرى.. فالتاريخ لا يتوقف عند لحظة بعينها وإنما هو حياة مستمرة للأبد».. لكن وقع هذه الأيام ثقيل، والمهنة التى كان هو عنوانها تجاسر عليها صغار وباتت مكبلة، والنقابة التى أخذت كثيرا من أوقات نقاشنا تواجه اختبارا صعبا وغير مسبوق فى تاريخها.

أستاذ هيكل كنا نلتقيك بمكتبك صباحًا ــ قبل أسرتك ــ يوم عيد ميلادك مع نخبة من تلاميذك ومحبيك لنلقى عليك بهمومنا وأسئلتنا الحائرة فترجعها إلينا يقينا وأملا وتفاؤلا.. لكن لمن نذهب اليوم؟!