تساؤلات حول مباحثات التهدئة

فشلت مباحثات التهدئة وعادت الوفود كعادتها بخفي حُنين من القاهرة بعدما تفاءل الشعب بما سيجنيه هذا الاتفاق من كسر للحصار وعودة للحياة الطبيعة لما كانت عليه غزة، هذا ما صاحت به وسائل الإعلام وكما تأمله الشعب، كانت تسير المباحثات عبر الوسيط مصر بين حماس و الاحتلال الإسرائيلي، برفض قاطع من السلطة الفلسطينية بسبب التجاوزات السياسية المتعارف عليها وهددت في حال إبرام الاتفاق بقطع كافة تعاملها مع قطاع غزة بحجة أن الاتفاق حلقة من مسلسل صفة القرن، ما حدث يطرح العديد من التساؤلات في ظل حاله انعدام الثقة بين الأقطاب الفلسطينية المتناحرة وفي حالة التيه التي يعيشها الشارع الفلسطيني في غزة.

فهل لدى حماس مآرب وتحالفات أخرى تريد أن تجنيها من وراء هذ الاتفاق كما تدعي السلطة، وهل تسرعت في الموافقة على بدأ المحادثات بما شعرت أن مسيرات العودة التي تحولت لكسر الحصار أصبحت تشكل مصدر إزعاج وضغط على الاحتلال الإسرائيلي، أم أنها وقعت هي ومسيرات العودة في مصيدة لم تعد لها (وهو المرجح من وجهة نظري)، وما هو حال المصالحة لو تم توقيع اتفاق التهدئة مع الاحتلال، أيضًا كيف سيكون شكل قطاع غزة في حل لو تم إبرام هذا الاتفاق هل ستُقطع شعر معاوية بين الجسم الفلسطيني، هل السلطة حقًا تقف بوجه صفقة القرن، ولماذا لا توافق على محادثات ربما تزيل عن كاهل المواطنين في غزة شيء من المعاناة التي خلفها الانقسام؟

رغم أنني أشكك بأنه كان هناك مباحثات جدية تتعلق بالتهدئة، وأرجح أنها كانت مصيدة لمعرفة مدى تطور مسيرات العودة أو ما يسمى الآن كسر الحصار، لكن يستطيع أي عاقل وضع حجرة الأساس في المكان المناسب للبناء عليه، وأهم ما يمكن البناء عليه حول موضوع مباحثات التهدئة هو السؤال التالي: كيف سيكون شكل قطاع غزة في حال أبرم اتفاق تهدئة حقيقي بين إسرائيل وحماس وكان الراعي مصر، وهل حماس التي تجول أرض غزة وتعد العدة ليل ونهار لمعركة ومستعدة في كل الأوقات للمواجهة هي بحاجة للتهدئة بعدما حققت حسب قولها إنجازات من وراء مسيرات العودة.

بدأنا من مصر ومنذ صيف عام 2014 أي إبان العدوان الإسرائيلي على غزة كانت الدولة المصرية حريصة على وجود الوفد الرسمي في التفاوض منذ اللحظات الأولى للجلسات، وبرغم كل المناكفات والأقاويل كان السيد عزام الأحد رئيس الوفد المفاوض وتم المضي على استحقاقات لم يحقق منها فيما بعد شيئًا يذكر، وفعلًا بعدما قدم السيد يحيى السنوار نفسه بوصفه قائدًا للكل الفلسطيني وأقدم على تحقيق المصالحة ذهب إلى مصر وأتم اتفاق الأخير الذي نُسف مع تفجير موكب رئيس الوزراء الفلسطيني (رامي الحمد لله)، وقبل أن الفشل في تحقيق المصالحة مرة أخرى، تبين للمواطنين الجواب على التساؤل الذي أرهق كاهلهم طيلة 12 عام من الانقسام: من الذي يحاصر من؟ من يحاصر غزة؟ إذ شاهد المواطن طيلة فترة ما قبل تفجير الموكب معابر تعمل والسلطة تطرح وظائف وقوانين التقاعد ومعبر بيت حانون وبضائع من كرم أبو سالم وتحسن في جدول الكهرباء، لكن سرعان ما انكفأ على وجه وذهب كل شيء كأنه لم يكن.

السلطة الممثلة بفتح تريد التمكين الكامل لها في قطاع غزة وحماس لا تريد شيئًا من هذا القبيل، لأنه بحسب اعتقادها يشكل خطرًا على سلاحها وأجهزتها الأمنية في القطاع، وفي ظل عناد حماس زادت السلطة في المقابل من عقوبات على غزة التي تمس الحياة الاقتصادية ولم تتهاون مع ملفات الفصل والتقاعد بحجة أنها كانت تمويل الانقلاب بطريقة غير مباشرة حسب قولها، فإذا لا مفر أمام حماس أصبح سوى الاتفاق مع إسرائيل الأخطبوط الأكبر عن طريق مصر بتجاوز السلطة والقنوات الرسمية المتعارف عليها رسمية.

وأعتقد أن علاقات حماس التي تحسن مع المخابرات المصرية بسبب تدخلات الأخيرة في لجم التصعيدات الإسرائيلية المتكررة على قطاع غزة وبسبب التعاون شبه الأمني بينها وبين حماس على الحدود وتقديم حماس بعض المعلومات عن الجماعات الإرهابية للدولة، قد يُؤخذ بالحسبان في الشبكات السياسية معقدة التفكيك لا تعرف إلا المصالح إذا كان الأمر كهذا، فحماس على خطأ تام من اعتقادها في ظل الظروف والمتغيرات المحيطة التي تهدد القضية تعمل على تصفيتها حيث صارت الأمور أكثر حساسية من اتخاذ قرار قد يؤدي ولو دعائيًا إلى تمام صفقة القرن، تكون فيها فلسطين مختصرة في قطاع غزة.

تعنت حماس وتسرعها وتشبثها بالحكم سيكلفها الكثير من المخاسرة السياسية فالآن حماس في موقف المتهم أمام الشعب وأمام القيادة المصرية التي هددت بإقفال معبر رفح إذا زادت حدة التوترات على الحدود الشرقية وأعتقد أن العلاقات توترت بينها ليس كما يقال بإيعاز من الرئيس الفلسطيني، لكن بسبب القفز على الملفات بطريقة بهلوانية تريد التفرد بتهدئة مع إسرائيل وبعد ذلك دراسة أمر المصالحة إن أصبح قائمًا، وكأن إسرائيل ستسمح لحماس بمارسة عملها المعتدة كما هو الآن من حفر للأنفاق وزيادة التطور في الأسلحة، الهدنة تعني تجميد كل الأعمال العدائية ووسائلها، أما الآن وبعد الفشل فلا يوجد أي ضمان لعدم وقوع مواجهة مفتوحة مع الاحتلال بعدما عادت حدة المواجهات على الحدود إلى أشدها، ومع التهديدات المصرية وصمت السلطة لا يوجد أمام الاحتلال وحماس بدلًا من الدخان الأبيض إلا الدخان الأسود.