التنمية البشرية، تطوير الذات، البرمجة اللغوية العصبية، التخطيط الشخصي الاستراتيجي. تختلف المسميات والغاية واحدة مع فروقات بسيطة جدًا. هل تريد إعادة صديقتك؟ هل تريد تحقيق ثروة طائلة؟ فقط عليك بقراءة كتاب أو بحضور محاضرة أو دورة تنمية بشرية، وستحقق كل ماتريد وتعالج مشاكلك من طرف المدرب الدولي!

أولاً، لا بد من التفريق بين التنمية البشرية في الاقتصاد التي تعني تحقيق النمو الشامل في جميع الأصعدة وقطاعات الدولة بالاستثمار والاهتمام بالمورد البشري وإلى المورد البشري (تعود بالنفع عليه في التعليم والصحة) والتي ظهرت بعد عصر الماركنتيليون (جمع المعادن عن طريق الاكتشافات الجغرافية وهذا تعريفهم للثروة وتكديسها) ثم الفيزيوقراطيين (الذهب مورد للاستثمار في الأراضي، الأراضي المكتشفة أي الثروة وتكديسها من عوائد اسصلاح وزراعة الأراضي) ثم آدم سميث ومفهومه للثروة أنها نتاج العامل.

والتنمية البشرية الأخرى التي يروج لها هؤلاء التي أرادوا بها سبيلًا لتحقيق الثروة لمن يريد الثروة بتنمية ذات الشخص. الأخيرة إذا كان لها أصل فهي بوذية بحتة في ممارستها. لكن ظهرت بقوة عصر ديل كارنيجي صاحب كتاب دع القلق وابدأ الحياة وآخرون من الذين كانو يحلمون بالثروة دون الوصول إليها بسبب أوضاع الفقر.

من أبرز هاته الكتب كتاب نابليون هيل «فكر تصبح غنيًا»، وكوفي «العادات السبع للناس الأكثر فاعلية»، و«السر»، ففكرة كتاب السر تدعونا أن نطلق العنان لخيالنا ونغوص في الأحلام حتى يحقق الكون لنا تلك الخيالات. فكرة مريحة جدًا، أليس كذلك؟ وقد كان من وراء تلك الفكرة أن باع كتاب «السر» حوالي عشرين مليون نسخة. فقد وجد الكثيرون في الفكرة الأساسية التي يدور حولها كتاب «السر» متنفسًا وراحة بعيدًا عن كتب التنمية البشرية الأخرى التي تتطلب منهم كدًّا لا ينتهي وبذل مجهود خرافي حتى يصلوا إلى ما يطمحون.

بالإضافة إلى كتاب فن اللامبالاة العصري فقد حقق عددًا كبيرًا من المبيعات. فالحقيقة أن سوق كتب التنمية البشرية هو سوق لا ركود فيه، فحالما ينقص بريق أحد الاتجاهين حتى يسرع الآخر ويستغل ضعفه ليخطف الأضواء.

نفس الشيء بالنسبة للدورات فهي موضة جديدة وتجارة جديدة أراد بها مرتادوها التملك الثقافي وكأن المعرفة سلعة وهذا أوج الرأسمالية بدلًا من التملك الاقتصادي وهذا بسبب العولمة وعصر المعرفة، فشتان بين الثقافة الفردية المبنية على العلم والثقافة الجماهيرية كما يقول بيغوفيتش، وهي المبنية على التبعية والسطحية، الأولى علم والثانية إشباع رغبات.

في دورات في اللا-تخصص، كما هو الحال في العديد من دورات التنمية البشرية وفي غيرها، ثمة فارق بينها وبين العلم المعتبر، القائم على «التجارب المختبرية والمعملية الموضوعية» والتي خضعت «للدراسة والبحث المستمرين لسنوات»، بينما تقف التجارب على خبرات المحاضر، أو الكاتب المرجعي له، «وهذه التجارب لا نستطيع أن نحكم على مصداقيتها».

فما بين العلم والخرافة تسلك التجربة سبيلًا أحيانًا لتروّج بعض الخرافات في ثوب العلم، لتخبرك عن فلان الذي فشل في حياته، أو ترك جامعته، ثم صار ناجحًا ومليونيرًا، فهم يصورون الفشل والنجاح على كونهما خطوتين بسيطتين: شخص ما كان هنا وصار هناك هكذا بفعل سحري بلا تفاصيل.

لذا فإن تقديم مجموعة من القواعد في المجالات الإنسانية والحياتية ينبغي -حسب «أحمد سالم»- ألا «يهدف إلى تقديم قوانين معيارية، وإنما يهدف إلى تكثيف مجموعة من الخبرات والتجارب في شكل عبارات موجزة تستمد قيمتها من ثقتك بقائله»، لكن هذه القيمة في النهاية «تظل مرهونة بأن تقوم بتجربة هذه القواعد فتجدها صالحة لك؛ لأنه لا ضمانة لشمول نفع هذه القواعد لكل أحد»، فمهما كانت المادة التي تؤثر بحيوية في شكل ثقافتنا، فإن على كل إنسان -وفقًا لـ«هنري ميللر»- «أن يقرر لنفسه أي العناصر منها يدخلها في نسيجه الخاص».

في مقال بعنوان «لماذا فقدت إيماني بتوني روبينز؟»، يسرد الكاتب «جاسون كونيل» تجربته مع التنمية البشرية، والتي مرّ عليها من خلال كتاب «القوة غير المحدودة» (Unlimited Power) لتوني روبينز المذكور، فيقول إن التنمية البشرية تمتلئ بعدد من الخدع النفسية والعاطفية الحادثة على عدة مستويات، تتباين من المؤهلات المزيفة أحيانًا لدى بعض المدربين، وبين الديباجات المحفوظة والبدهية التي لا تضيف للمرء شيئًا مجهولًا. وبإمكان أي أحد اكتشاف هذا، فأمور كالرغبة والإيمان والشغف والإرادة بديهية ووهبها الله للإنسان لمن لا يمكن تعليمه فهذا وهم، أما الخرافات فهي أمور لا منطقية تعجز المنطق كالإيحاء الذاتي وترديد ما تريد تحقيقه 300 مرة في اليوم وتخيل نفسك ناجحًا.

تلك الديباجات التي تخبرك أنك قادر على تحقيق أي شيء بمجرد رغبتك فيه، هكذا دونما تحليل حقيقي لقدراتك ومعارفك ومدى وملاءمتها لذلك، الأمر الذي ينتقده عالم النفس «توماس لانجنز» إذ يرى أن «الأهداف الإيجابية الوهمية، يمكنها أن تقوض أو تضعف الحافز الحقيقي على النجاح، وهو ما تتفق معه دراسة أُجريت على عدد من الخريجين أثبتت أن فرص العمل التي توفرت لهم كان الحظ الأوفر من نصيب الذين تعاملوا بواقعية بدلًا ممن سبحت بهم الأحلام.

وهو ما يرجعه علماء النفس إلى الخمول الذي تصنعه الأحلام قبل السعي لها، فـ«النجاح الموعود جعلهم يستمتعون بالمستقبل المنتظر، قبل أن يصبح حقيقة، وأن يحصلوا على رضىً وهمي وشبع نفسي، منعهم من التقدم بخطوات كافية لتحقيق هذا المستقبل»، فالأفكار السلبية -حسب عالم النفس «جوزف فورجاس»- ليست شيئًا سيئًا على الدوام؛ لأنها تعزز نمط التفكير وتجعل الشخص أكثر انتباهًا وقابليةً للتكيف مع واقعه».

من هنا تنطلق مجموعة من الدراسات أجرتها جامعة «كونكورديا» بكندا، رأت أن الأشخاص القادرين على إعادة حساباتهم والتفكير في واقعهم، فيتمسكون بما يقدرون فعليًا عليه ويتخلون عن الأهداف التي لا يمكن الوصول إليها، كانوا هم الأكثر تحقيقًا للرضا الداخلي ممن يسعون خلف أوهام التشجيع المفتقدة للواقعية، كـ«ستيف جوبز» الذي صعد بشركة «أبل» (Apple) إلى المقدمة بتخلصه من 340 منتجًا من أصل 350، مرتكزًا على 10 باقيات أولاها اهتمامه؛ لترتقي شركته القيمة الأعلى في عالم التقنية.

في الأخير، التنمية البشرية مجرد سلاح رأسمالي للاستثمار الأمثل ودفع قدرات الإنسان للأقصى لزيادة الإنتاجية وتحسين الجودة لتلبية طلبات ورغبات الزبائن واختراق أسواق جديدة. فلتلاحظ فقط أن كل روادها الحاليين أصحاب أعمال وكلهم من المجتمع الرأسمالي لا الاشتراكي.

هؤلاء وإن أرادوا شرعية لعلمهم المزيف قرنوه وخلطوه بعلوم موضوعية منها الطب (قصة اللدنة العصبية)، علم النفس، علم الاجتماع، علم الأخلاق، علم الاقتصاد وأخيرا علم الإدارة، وخلطها لمصطلحات إدارية كالتحفيز والتسويق وإدارة الابتكار وإدارة الوقت (الأخيرة إذا قرات كتابًا في إدارة الوقت تجد تقنيات إحصائية ورياضية تمت عليها الدراسات لأكثر من 10 سنوات وتم تطبيقها في الأمور العسكرية لجدولة المشاريع ومختلف الجداول).

هناك من رواد التنمية البشرية الذين قالوا إن برمجة عقلك الباطن على أن تحظى بحياة أبدية سيمنعك من الموت وفي هذا تشابه مع البوذية والهندوسية في اعتقاد الروح.

نختم مع مقولة أحمد خالد توفيق: «الطريقة الأكيدة للنجاح عبر كتب التنمية البشرية هي أن تكتب كتاب تنمية بشرية» وأزيد عليه أن تصبح محاضر تنمية بشرية أو تفتح مركز تنمية بشرية. استهوتني الفكرة فكثيرًا ما قرأت كتب التنمية البشرية، ففي العام الماضي كتبت أكثر من عشر صفحات وتوقفت لأنها تتناقض مع مبادئي. فليحيا التخلق والتعلم والواقعية.

فلكن واقعيين لاميتافيزيقيين في كل شيء! ومن أراد شيئًا فليراعي البديهيات الواضحة والتي تتضح مع الممارسة ومنها الإرادة والإمكانيات والبيئة، وليتوكل على الله إن كان هناك أمل فليحقق هدفه، كأن تتعلم لغة معينة أو تتعلم برنامجًا معينًا أو تريد أن تكون من الأوائل مثلا.