f0324214-44fb-4a35-a8bb-62f7d9a82818.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

معن البياري

كيف تأتّى لموظّفٍ في السفارة الإسرائيلية في عمّان أن يفترض في الكاتب خيري منصور شخصا من إيّاهم؟ أليس في هذه الصفاقة ما يبعث على السويداء؟ من أين لهذا المخلوق الثقة التي تجعله يُقدم على فعلتِه، من دون أن يعرف جسامَتها؟

عصريّة نهارٍ، قبل عشرين عاما في عمّان، يهبط خيري منصور من سيّارة الأجرة (خيري لا يقود سيّارة) أمام مبنى صحيفة الدستور، وهو يعمل فيها كاتبا، وله فيها مكتبٌ غايةٌ في الأناقة. في الباب، يحيّي موظف الاستقبال ببشاشته إيّاها، فيسلّمه الرجل مظروفا صغيرا وصل إليه. يأخذُه خيري، لا يستعجل النظر إليه لمعرفة ما فيه. بعد خطوتين، على الدرجات الثلاث التي تأخذه إلى ممرٍّ نحو مكتبه، يتوقّف، يحدّق كثيرا في المظروف، ينزع عن عينيه نظّارتيْه، ثم يقرأ المكتوب جيدا، مسّه ارتباكٌ طفيفٌ، فيعود، وتقطيبةٌ عارضةٌ طرأت على محيّاه، ثم يسأل موظف الاستقبال عمّن أوصل هذه البطاقة إلى هنا، يجيبه الرجل إنها وصلت في البريد المعتاد الذي تتلقّاه الصحيفة يوميا. يمضي إلى مكتبه. يقرأ البطاقة ثلاث مرّات، أربعا، عشرا.. ينفضُ عنه سحابةً عابرةً من كآبةٍ مرّت، يسحب سيجارةً من علبة دخانه المعدنيّة، الفضّية اللون، يشعل السيجارة، ثم يبدأ حديثا مع نفسِه، وبصوتٍ ليس خافتا، يسأل عمّ يفعل في الحياة، وما إذا كانت ثمّة جدوى لما يكتُب، وهو الذي لا مهنة له سوى الكتابة (عمل في التعليم فترة قصيرة في الكويت). استدعى إلى غرفة مكتبه، وخواطرُ تمرقُ في أخيلته كيفما اتفق، حوادثَ ووقائعَ وأسفارا ومدنا وقصائد وأصدقاء، ثم شعر بأن وصول بطاقة الدعوة إليه، باسمه الشخصي، معرّفا فيها، الأستاذ خيري منصور المحترم، اعتداءٌ صريحٌ عليه، على كيانِه، على صفتِه كاتبا ومثقفا، وفلسطينيا وأردنيا وعربيا.. طلب فنجان شاي (خيري ليس مغرما بالقهوة). مرّ عليه زميلٌ، ثم آخر، تصافحوا، وجدا منسوب البهجة المألوف منه منقوصا بعض الشيء، سألاه ما إذا كان هناك ما يُقلقه، أجاب بما أجاب عفو الخاطر. 

كانت البطاقة من سفير إسرائيل في عمّان، يدعو خيري فيها إلى حضور حفلٍ تقيمه السفارة في فندقٍ بمناسبة ذكرى قيام دولة إسرائيل. انتبه خيري، في مرةٍ أخيرةٍ قرأ فيها سطور الدعوة، إلى رقم هاتفٍ يتّصل به المدعوّ إذا ما أراد الاعتذار عن عدم تلبية الدعوة. وجد في هذا الأمر تحديدا جرعةً عاليةً من الكوميديا، ورأى في الحالة التي يمرّ فيها، الساعةَ هذه، أسبابا كثيرة للغضب، لكنها أيضا أسبابٌ للضحك والسخرية، فثمّة فائضٌ من السّخف لا يُحتمل. ثم طافت في خيري زوبعةٌ من الأسئلة عن المثقف العربي، عن الكاتب الفلسطيني، عن المواطن العربي، عن وجود سفارةٍ لإسرائيل في عمّان وغيرها، وأسئلةٌ أخرى تتابعت في ذهنه، بإلحاحٍ، طالما خاض خيري في شأنها اجتهاداتٍ ورؤىً وأفكارا في مقالاتٍ بلا عدد، غير أن مداهمة إسرائيل له بهذا السلوك أمرٌ آخر، إذ كيف تأتّى لموظّفٍ في تلك السفارة أن يفترض خيري شخصا من إيّاهم؟ أليس في هذه الصفاقة ما يبعث على السويداء؟ من أين لهذا المخلوق هذه الثقة التي تجعله يُقدم على فعلتِه هذه من دون أن يعرف جسامَتها؟ جالت في خواطر خيري أسئلةٌ أخرى، قبل أن ينصرف إلى قضاء وقته بعاديّةٍ في الصحيفة، مستقبلا زوّاره، يتلقّى المكالمات ويتلفن لغير صديق، قبل أن يتهيأ لجولة الساعات الأولى من الليل مع صديقٍ أو أكثر، ثم يعودُ إلى البيت، ليزاول عمله، الكتابة والقراءة، حتى الصباح.
هذا بعض ما جرى مع الصديق، الشاعر والكاتب خيري منصور، مساء ذلك النهار الذي كان قد أمضى ساعاتٍ بعد ظهيرته في وسط البلد، حيث تناول غداءه المتأخّر (كما العادة) في مطعم القدس، واشترى الصحيفة العربية التي يقرأ، وتمشّى في جولته إيّاها، وربما مرّ على محل صديقه الساعاتي المقدسي، للدردشة معه في موضوعاتٍ لم تُستكمل في يوم سابق. ..
لم أكن مع خيري تلك العصريّة وذلك المساء، وإنما أدري خطوات صديقي في نهاراتِه وليله. قرأتُ، في الدوحة حيث كنت أعمل، مقالته الحاذقة في صحيفة القدس العربي عن دعوة السفارة، فأدهشتني الحادثة. ولأنه خيري منصور وليس غيره، بَرَع، في تلك المقالة، في استقدام فلسطين وتاريخها، في الإطلالة على صناعة إسرائيل، في مزاوجة العقلانيّ بالوجدانيّ، وفي بسط كثيرٍ من عدّته المعرفيّة الثقيلة، بلغته الأنيقة، الموحية والماكرة غالبا، عدّته المعلومة في إنجازه مقالته الثقافيّة الفكريّة، النادرة المثال في الصحافة العربية. أتذكّر أنني هاتفتُ خيري (قبل الموبايلات)، لنتحدّث في الأمر، لا يحضرُني الآن ماذا قلنا، لكننا بالتأكيد ضحكنا، وأنها ضحكاتُ خيري، الباقية في جوانحي، ضجّت في أسماعي حينها، كما أخرياتٌ عديداتٌ مثلها في عصريّاتٍ ومساءاتٍ بلا عدد، وفي غير بلد، لا تُبارحني منذ شلع روحي نبأ وفاة الصديق الخالد، الكاتب الرائق، صاحب المزاج السخيّ في حب الحياة، والقلم البديع.

إعجاب تحميل...