على من يريد تحرير فلسطين أن يعود إلى أساس نشوء الثورة الفلسطينية، بالتالي أن يتخلّى عن البرنامج الذي بدأ بالنقاط العشر، ووصل إلى حصر فلسطين في الضفة الغربية وقطاع غزة. والذي أبدل إنهاء إسرائيل بوهم دولة فلسطينية مستقلة.

أوصلنا ربع قرن على توقيع اتفاق أوسلو إلى حدود هذا الاتفاق الذي كان يعني خدمة استراتيجية صهيونية باتت واضحة الآن: سيطرة على القدس وأراضي الضفة الغربية وعزل غزّة، وفرض حكم ذاتي إداري في الضفة الغربية. ما يبدو مفيداً في النقاش هو ما يظهر من تناقضٍ بين رفض اتفاق أوسلو واعتبار أن ما جرى هو نتيجة له من جهة والمسار الذي أوصل إلى “أوسلو” من جهة ثانية. أي أن هذا الاتفاق كان نتاج مسيرةٍ، بدأت ببرنامج النقاط العشر الذي أتحفنا بجملةٍ ثوريةٍ تقول إن الهدف هو إقامة السلطة على أي أرضٍ يتم تحريرها. وهنا دخل مصطلح السلطة في صلب سياسة الفصائل الفلسطينية التي انتقلت إلى خطوة أخرى، تقول إن برنامج منظمة التحرير الفلسطينية يقوم على إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وصولاً إلى بيان الاستقلال. وكانت مسألة المفاوضات الطريق للوصول إلى ذلك. إذن، هناك درج نزلت عليه الفصائل، بغض النظر عن معارضة بعضها في بعض المراحل، أوصل إلى نقطتين: أن الهدف هو دولة “مستقلة” في الضفة وقطاع غزة، وأن المفاوضات هي الطريق إلى ذلك. ولقد تعمّم الخطاب الذي يطرحهما في الشارع الفلسطيني، وأوجد البيئة التي سمحت بحصول اتفاق أوسلو. هنا الكل مشاركٌ في الاتفاق وإنْ رفضه، لأن “الثقافة” التي تعمّمت منذ سنة 1974 كانت توجد بيئةً مناسبةً لاتفاق استسلامي. لقد زُرع في عقل قطاعٍ من الفلسطينيين أن فلسطين هي الضفة وغزة، وأن المطلوب دولةٌ عليها، لكن ليس عبر “الكفاح المسلح” بل عبر المفاوضات، وهو ما عمّمته الفصائل الفلسطينية بمجملها، على الرغم من أن بعضها ظل يصرّ على هذا الكفاح. بالتالي جاء اتفاق أوسلو ليظهر نتاجا “طبيعيا” في هذا السياق، انطلاقا من مبدأ البدء بخطوة، هي الإدارة الذاتية على طريق الانتقال إلى “الدولة المستقلة”.
ولأن هذه “الثقافة” هي التي تعمّمت، فقد انخرطت الفصائل الرافضة اتفاق أوسلو في مؤسسات السلطة التي نتجت عنها، وتعاملت مع “الأمر الواقع”، وظلت في منظمة التحرير التي شرعنت الاتفاق، وشطبت أهم نصوص الميثاق الوطني الفلسطيني، والتي من المفترض أنها المشرفة على “السلطة الفلسطينية” حديثة الولادة. كما ظلت متمسّكة بالبرنامج نفسه الذي أوصل إلى “أوسلو”، أي برنامج “الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس”، البرنامج الذي أوجد البيئة لاتفاق أوسلو. لهذا ظهر التكيّف مع وجود السلطة، والاستمرار في منظمةٍ باتت هي نفسها خاضعة للسلطة. وأصلاً لم تكتشف، وترفض أن تكتشف، أن نزولها الدرج كان حاسماً في الوصول إلى اتفاق أوسلو. بمعنى أنها تقولبت مع وجود السلطة، وربما يكون ذلك أمراً طبيعياً، نتيجة برنامجها نفسه.
ليس المراد هنا تناول الصعوبات التي واجهت النضال الفلسطيني، وضغوط النظم العربية، وتصفية وجود المقاومة في لبنان، فهذا شأن آخر، وإنما الإشارة إلى المفصل الذي أوصل إلى الكارثة التي حدثت منذ أول درجة وصولاً إلى أوسلو، حيث انحرفت المقاومة من النضال من أجل تحرير فلسطين، وعبر الكفاح المسلح، إلى الضفة الأخرى التي قادت إلى الكارثة هذه. وهذا يعني أن على من يريد تحرير فلسطين أن يعود أدراجه إلى أساس نشوء الثورة الفلسطينية، بالتالي أن يتخلّى عن البرنامج الذي بدأ بالنقاط العشر، ووصل إلى حصر فلسطين في الضفة الغربية وقطاع غزة. والذي أبدل إنهاء الدولة الصهيونية بوهم دولة فلسطينية مستقلة في تلك المناطق. من يرفض أوسلو حقيقةً يجب أن يتخذ هذه الخطوة، وإلا ظل يعيش في كنف “أوسلو”، على الرغم من كل الصراخ ضدها. الكارثة هنا، حيث إن الكل غرق في “أوسلو” بطرق مختلفة، ولا يريد أحد التراجع عن ذلك.
ربما هذا جزء مهم مما يفصل الشباب الثوري عن هذه الفصائل.