لاحظ الفيلسوف برتراند راسل المأزق المعرفي الذي يُحوّل مفهوم الحرية إلى مفهوم عدواني، بدلًا عن مفهوم للتحرر بمعنى التخليص، وقرن ذلك بمعنى الحرية والحيوية حين لفت النظر إلى أن أهم قيم النهضة هي قيمتا الحرية والحيوية، على أنهما معنيان ساميان وقاتلان في آن معًا، ويأتي سموهما من كونهما الأداتين اللتين صنعتا وقامت عليهما أصول وقواعد النهضة الأوروبية الحديثة، وبهما استيقظت أوروبا من سباتها الطويل العميق الذي ران عليها طيلة القرون المظلمة في عصورها الوسطى، ودخلت بعدها في مرحلة عصور الازدهار والتقدم، والصعود الهرمي المتوثب في سرعة منقطعة النظير في سباق مع ساعة الزمن. باجتماع الركنين الأساسين في سلم النهضة الحرية والحيوية اللذين وفرا لها إمكانات عارمة مأهولة جعلتها تفيض على الحاجة الأوروبية؛ لتجتاز الحدود المحلية.

بعد نجاح مشروعها النهضوي المادي الذي حرك أوروبا خارج حدودها نحو القارات القديمة أفريقيا وآسيا ومكنها من إنجاز مشروعها الكبير في حركة الكشوف الجغرافية لتتحول هذه الحرية والحيوية إلى نعمة وازدهار على كافة الأصعدة الحياتية للقارة، ونقمة على الشعوب الأصلية في الأمريكتين ولسكان أفريقيا وشرق آسيا.

من خلال مشروعها الاستعماري الاستيطاني استخدمت الذي فيه قوتها العسكرية الجبارة مع قسوة مفرطة أدت إلى احتلال تلك المناطق واستغلال مواردها الطبيعية والبشرية بما يعود على أوروبا بالرفاة والعيش الرغيد على حساب حرية وثروات تلك الشعوب التي تفتقر إلى ركيزة الحرية والحيوية.

وبهذا يمكن أن نخلص إلى أن الحرية والحيوية ركيزتان أساسيتان لقيام النهضة المنشودة، وفي حال انعدام هذه الركائز فإن الأمة سرعان ما تقع فريسة لغيرها من الأمم التي تعتمد على ركائز الحرية والحيوية، ونقيض الحرية والحيوية يكون الاستبداد والخمول وهما أسرع الوسائل للضعف والاضمحلال والتلاشي والفشل وذهاب الريح.

وهو ما عبر عنه المفكر الجزائري مالك بن نبي في كتابه ميلاد مجتمع فقال: إن ثروة الأفكار وحدها ليست بكافية، كما ولنا على ذلك في تاريخ المجتمع الإسلامي موقفين: فعندما بدأ هذا المجتمع دخوله حلبة التاريخ في القرن السابع الميلادي كان عالم أفكاره مازال جنينًا غامضًا، إذا ما قيس بالمجتمعات المتحضرة التي غزاها في مصر وفي فارس وفي الشام. فإذا ما نظرنا إليه وقد أخذ بعد ذلك بستة قرون يترنح في مهاوي التدهور والانحطاط، وجدناه يملك أغنى مكتبات العالم آنذاك! لقد انهار تحت ضربات شعوب حديثة العهد بالوجود، كالإسبانيين الذين كان عالم أفكارهم لايزال فقيرًا نسبيًا، وبذلك نرى أن المكتبات لا تغني من الهزيمة شيئًا.

أي أن الأمم التي تتحلى بصفة الحيوية وإن كانت في بداياتها لديها القدرة على هزيمة الأمم المترهلة وإن كانت تمتلك المعرفة والمقدرات المادية دون أن تكون جزء في حركتها اليومية الدءوبة، وهذا ما فسره الأستاذ مالك بن نبي – رحمه الله – أن الإرادة التي ستتصرف في توزيع تلك الطاقة الحيوية في مختلف النشاط الاجتماعي لدى الفرد، وبالتالي تتحكم في توزيع النشاط المشترك للجماعة؛ فتنعكس تلك الإرادة على حركة المجتمع ونشاطه العام الذي يجلب الحرية والرفاه بفضل هذه الإرادة الحرة الحية، وهو رابط وثيق يفتح باب الإبداع في المجتمع، وفي حالة كبته، أو التضييق عليه، فسوف تكون النتائج عكسية وضارة، لو أننا حرمنا الفرد حرية الاختيار فسنجعل منه آلة صماء، أو مخلوقًا صناعيًا، أكثر من أن يكون كائنًا إنسانيًا يتصرف في طاقته الحيوية لغايات يلمحها ضميره لمحًا جليًا، ولا تقوم النهضة الحقيقية إلا على القواعد الأساسية العامة التي تحيط به، وتساهم بدايات اللحظات الأولى من ميلاده.

إن نهضة أي مجتمع تتم في نفس الظروف العامة التي أحاطت بميلاده، وكذلك يخضع بناؤه، وإعادة هذا الأساس لنفس القانون، وهذا القانون هو الذي عبر عنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: لا يصلح آخر هذه الأمة، إلا بما صلح به أولها، ومن المسلم به حضاريًا أن ما صلح به أول هذه الأمة هو الحرية والحيوية التي أنتجت أكبر وأعظم حضارة بشرية عرفها التاريخ، ونستطيع أن نشهد دور الدين في حيويته، وهو يحقق عمله الاجتماعي بطريقة غير مباشرة، أو غير أساسية حين يهدف إلى غايته الخاصة: فالدين حين يخلق الشبكة الروحية التي تربط نفس المجتمع بالإيمان بالله، وهو يخلق بعمله هذا أيضًا شبكة العلاقات الاجتماعية التي تتيح لهذا المجتمع أن يضطلع بمهمته الأرضية، وأن يؤدي نشاطه المشترك، وهو بذلك يربط أهداف السماء بضرورات الأرض، وهذا ما تصوره توينبي في بناء الحضارة حين اعتبرها (كائنًا حيًا مع تصوره لدفق الحياة في كيانها حسب نظريته الخاصة: التحدي والاستجابة، في حين اختصرها الدكتور محمد أحمد الراشد في أن الحرية هي أقصر طرقنا إلى تحقيق أهدافنا: منهج.

وربطها برباط التلازم بين تفجر العلوم خلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين، إن العلم لم يتفجر ويتوسع خلال القرنين الأخيرين إلا بسبب الحريات وحفظ الحقوق.

ويرى نوينبي أن تحول المجتمعات البدائية إلى مجتمعات حضارية يعتمد على مدى الانتقال من حالة الجمود إلى الحالة الدينامية. وأن هذه القاعدة تصبح كذلك في عملية نشوء الحضارات الأخرى وتعاقبها، فيؤكد على أن حركة الحضارات أو التاريخ: هي أقرب إلى أن تكون أشبه بعربة تصعد جبلًا يقتضي صعودها حركة عجلاتها، وإذا كان الصعود تقدمًا فليس المقصود الجانب المادي دون الروحي.

وهو ما أكده الراشد في تأكيده المحدد بنسب وأرقام محددة تؤكد على مدى الفوارق النسبية بين أنواع الإبداع وتهيئة الظروف المجتمعية والتربوية التي تساهم في رفع نسبته العامة في المجتمع أو الأمة (وأنا أزعم بناء على خبرتي بالواقع الفكري العالمي ومعاصرتي لثلاثة أجيال فكرية ودعوية وتربوية خلال ما يقارب من 50 سنة. أن الإبداع الذاتي التلقائي في محيط الفكر لا يزيد على 3% في أعلى تقدير وهو عندي 1% فقط، لكن الإبداع الذاتي المرفود الذي تفجر كوامنه التربية قد يرتفع بالنسبة إلى 10%، وأما الإبداع غير الذاتي الذي تتولى التربية والإعداد فيه منهجية الاصطياد وإعادة الصياغة والتشكل فقد يرتفع إلى نسبة 30%، إذا ساعدت الحريات العامة في البلد على تكوين ظروف ومناخات مساعدة، وأتاحت الفرص أمام العمل المؤسسي تنتقل بالمعادلة الحيوية إلى حسم مفروغ منه لصالح المجتمع لا يحتاج غير مرور الزمن لتبدو آثاره في الواقع الملموس.

وبهذا يمكن القول أن النهضة لا يمكن أن تتحقق إلا إذا أتيحت لها العوامل الأساسية العامة من حسن تخطيط ورغبه صادقة وتوفير مناخ عام وبيئة حاضنة مع توفير وتوجيه إمكانات مناسبة ومتناسبة مع المشروع، على أن يتوفر أهم ركنين وأشد ركيزتين يقف عليهما المشروع؛ الذي لن تقوم له قائمة بدنوهما، ألا وهما توفر الرافد الأقوى: الحرية والظروف الملائمة لصناعة الحيوية.