5a75d9ef-4e20-4f6d-9387-1dfaabc2d389.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

معن البياري

من أجل الكويت التي نعرف، والتي أعطت المواطن العربيّ، أيا كان بلده، مساحاتٍ شاسعةً من حرية القراءة، لتطوير ذائقته، وتثوير مخيلته ومدركاته، وتنمية معارفه وعلومه، عقودا، يحسُن أن يعرف الرقيب فيها أنه يخدش صورتها كثيرا، فليرعو، ويتوقف عمّا يفعل.

الغضب والحرج معا هما ما يستشْعره من يتابع، منذ أيام، الحملة النّشطة التي يخوضُها كتّابٌ ومثقفون كويتيون، سيما الأدباء منهم، ضد الاتّساع الجاري لقوائم المنع التي تُصدرها وزارة الإعلام في بلدهم لكتب كثيرة، يستغرب الواحد منا استهدافَها بالحظر، ومنها المطبوعةُ مرّاتٍ، والموزّعة سابقا في الكويت، بل وبكبسة زرّ تستطيع نسخَها (مقرصنةً غالبا) في حاسوبك، فتُطالعها بيسرٍ وسهولة. دافعُ الغضب لدى أساتذةٍ لنا هناك، وزملاء وأصدقاء ومعارف عديدين، أن الرّقيب في بلدهم لا يعرف بالضبط الأذى الكبير الذي يُحدثه للكويت، وهو يُزاول “مجزرة الكتب” المريعة، كما يسمّيها عن حقٍّ المثقفون الغيارى على سمعة بلدهم. 

وإذا صحّ أن أربعة آلاف كتابٍ مَنع توزيعَها هذا الرقيبُ في السنوات الخمس الماضية، فإن الحالة هذه تصبح بالغة الشذوذ، يُضاعِف من استهجانها أنها في الكويت، البلد العربي الذي طالما اتّصف بانفتاحٍ ثقافيٍّ وفكريٍّ، كنّا، نحن العرب، نغبط أشقاءنا الكويتيين، وإخواننا العرب المقيمين بين ظهرانيهم، على ما كان يتيسّر لهم منه، ومن إمكانات التعبير بلا قيودٍ ثقيلةٍ في غير موضوع وشأن. وكانت الصحافة الكويتية في ذلك الزمن من أهم منابر السجال الحيوية في شؤون الثقافة العربية، وأسئلة الفكر، وقضايا الإبداع والفنون. وفي البال أيضا أن هذا البلد الخليجي، الذي عرف تمدينا اجتماعيا متقدّما على جوارِه، استضاف في مؤسساته وفضاءاته العامة أعلاما بارزين من الصحافيين والكتّاب والأساتذة والمفكّرين والمترجمين، ما زالت عطاءاتُهم في تلك الأزمة تُستعاد، ويُستعان بها في الإضاءة على غير أمرٍ وشأن. ومما يُحسَبُ للكويت التي نحبّ أنها، على الرغم من ظروفٍ وصعوباتٍ غير هيّنة، تُحافظ على مواصلة إصداراتها من الكتب والدوريات والمجلات والترجمات، الرفيعة المستوى والعابرة للأجيال، وبالأسعار الميسورة، وتقيم هذه الإصدارات في مكانٍ طيّبٍ في المكتبة العربية، بالنظر إلى غزارتها وتنوّع مشاغلها وانفتاحها على مختلف الثقافات والفنون في العالم. 

ولهذا كله، وكثيرٍ غيره، ولأنها الكويت، فإن عجبا يغشانا من المجزرة التي يواصلها الرقيبُ في هذا البلد، والتي تبعث على ذلك الغضب الذي نشارك أصحابَه فيه، صدورا عن قناعةٍ بأن شأن الكويت، الثقافي كما السياسي، عربيٌّ عام ويخصّنا جميعا. أما الحرج المقرون به هذا الغضب، ويُغالبه المثقفون الكويتيون، في غضون نشاطهم في الحملة المستمرّة ضد حظر توزيع كتبٍ عديدةٍ، فمبعثُه أن هذا الأمر يسيء لصورة بلدهم، وهو ما لا يرضيهم، فليس من المعقول منع “مائة عام من العزلة” و”نهج البلاغة”، ومجموعات شعرية وروايات لمريد البرغوثي ورضوى عاشور وترجمات لدين براون وبول فاليري وقصصا لناصر الظفيري ومحسن الرملي، أمثلةً وحسب، وذلك كله بذرائع غالبا ما تبعثُ على السخرية منها. ومن عجائب في هذا الخصوص أن رواية الكويتي سعود السنعوسي “فئران أمي حصة” تمنعها وزارة الإعلام (يمكنك قراءتها كاملةً في الإنترنت)، ثم تلغي المحكمة الإدارية هذا القرار، غير أن الوزارة تتمسّك به (!).
كان اعتصاما له أهميّته ورمزيّته الخاصة، يوم السبت الماضي (15 سبتمبر/ أيلول) الذي انتظم في إحدى ساحات العاصمة الكويتية، سيّما وأن شعاره “إحنا نختار شنو نقرأ”. كما أن هاشتاغ # ممنوع في الكويت، وضمن حملةٍ عريضةٍ شعارُها “لا تقرّر عني، ممنوع في الكويت”، لفت الأنظار في المحيط العربي إلى هذه القضية التي باتت تؤرّق ناشرين عربا كثيرين يعانون كثيرا من أمزجة سلطات الرقابة عندما يشاركون في معرض الكويت الدولي للكتاب، والذي تنتظم دورته الثالثة والأربعون في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، وقد استبَقه ناشرون بالتوقف عن طلب المشاركة فيه، تفاديا للتورّط في “صراعٍ” غير مرغوبٍ مع الرقابة هناك.
من أجل الكويت التي نعرف، والتي أعطت العربيّ (مجلتها الشهيرة بهذا الاسم)، أيا كان بلده، مساحاتٍ شاسعةً من حرية القراءة، لتطوير ذائقته، وتثوير مخيّلته ومدركاته، وتنمية معارفه وعلومه، عقودا، من أجل الكويت هذه المقيمة فينا، يحسُن أن يعرف الرقيب فيها أنه يخدش صورتَها كثيرا، فليرعوِ، ويتوقّف عمّا يفعل.

إعجاب تحميل...