b0b48dff-aa4f-47f1-a242-4af59934f167.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

بشرى المقطري

المسؤولية السياسية والقانونية والأخلاقية المترتبة على مقتل آلاف اليمنيين بغارات التحالف ستظل وتراً حسّاساً بين أميركا وحلفائها، من يشدّه قد يشدّ الآخر ويوجعه، ومن يفلته قد ترتخي أعصابه مؤقتا، وإن استمرّت أرواح الضحايا في مطاردتهم.

اعترفت قيادة التحالف العربي (في اليمن)، في مطلع سبتمبر/ أيلول الحالي، بمسؤوليتها القانونية عما عرفت بـ”مجزرة حافلة أطفال صعدة” التي قتل فيها أكثر من ثلاثين طفلاً في مديرية ضحيان في صعدة، في أغسطس/ آب الماضي. وبقدر ما شكل ذلك تطوراً مفاجئاً في طريقة تعاطي قيادة التحالف مع ضحاياها في اليمن، إلا أن سياقات اعتراف التحالف، وتوقيته أيضاً، تشير إلى أن ذلك كان جزءا من تكتيكٍ اعتمدته قياده التحالف، لمواجهة متغيرات سياسية جديدة، قد تعصف بالإجماع الدولي حيال حربها في اليمن، وليس جرّاء مقاربة جادّة لغاراتها، بما يضمن حماية حياة المدنيين اليمنيين، وعدم تكرار استهدافهم، حيث استمرّت غارات التحالف العربي في حصد أرواح المدنيين في مناطق المواجهات.
منذ تدخلهما العسكري في اليمن، تجاهلت العربية السعودية، قائدة التحالف العربي، والإمارات، الدولة الثانية في التحالف، المسؤولية المترتبة على استمرار استهدافهما المدنيين، وتجاوزهما أبسط القواعد والأخلاقيات المتّبعة في الحروب. وكوسيلة للتسويف الدائم، اعتمدت قيادة التحالف في المناورة ضد أي رأيٍ عام يتخلّق حول ملاحقتها قانونياً، وذلك بالتشكيك بتقارير المنظمات الدولية، في مقابل تركيز إعلامهما، وكذلك المنظّمات الحقوقية التابعة لحلفائهما في اليمن، على انتهاكات جماعة الحوثي، في حين واصل فريق تقييم الحوادث التابع للتحالف العربي تبرئة دول التحالف من أي مسؤولية مباشرة، أو غير مباشرة، حيال تسبّبها بمقتل مدنيين، إذ خلصت معظم تقارير فريق تقييم الحوادث إلى أن معظم غارات التحالف في المدن اليمنية التي قتل فيها
“منذ تدخلهما العسكري في اليمن، تجاهلت السعودية والإمارات المسؤولية المترتبة على استمرار استهدافهما المدنيين”

مدنيون كانت أهدافاً عسكرية مشروعة بموجب القانون الدولي الإنساني، عدا حوادث محدودة، حمّلت فيها قيادة التحالف السلطة الشرعية المسؤولية القانونية، مثل مجزرة القاعة الكبرى في صنعاء، وهو ما جعل من إعلان قيادة التحالف أخيرا تقبلها نتائج فريق تقييم الحوادث الذي كيّف حادثة مقتل “أطفال صعدة” بأنها لا تتفق مع قواعد الاشتباك، أمراً بالغ الدلالة في رواية الحرب الرسمية الخاصة بدول التحالف.
كان اعتراف قيادة التحالف بحادثة وحيدة من مجمل عملياتها العسكرية في اليمن مقدّمة لتغيير دفّة الخطاب السعودي، فعلى الرغم من تناقض مضامين اعتراف قيادة التحالف مع تصريحاتٍ سابقةٍ للمتحدّث باسم قوات التحالف بأن القصف استهدف مقاتلي مليشيات الحوثي، وبأنه يتفّق مع القانون الدولي، فإن هذا التوجّه الجديد هو سعي سعودي إلى تخفيف الانتقادات حيال نتائج حربها في اليمن، وكلفة ذلك على المدنيين، حيث أعلنت قيادة التحالف شروعها في إجراءات جديدة لحماية المدنيين في اليمن، بما في ذلك بدء تعويض بعض ضحايا غاراتها العسكرية في اليمن. وقد مثّل ذلك صفاقة سعودية في إدارة الملف اليمني، إذ تجاهلت الرياض أنها من أطراف الحرب المتورّطة بمقتل المدنيين، وبالتالي لا يحق لها التحقيق في هذه الانتهاكات، كما أن تعويض الضحايا من دون عدالة يعد تجاوزاً لآلية التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان، إلا أن هذا القلق السعودي المفاجئ لم يكن سوى محاولةٍ للتحايل على ملفٍّ معقد سيجر عليها الويلات في المستقبل، مع أي تغير، ولو طفيفا، في موازين القوى الدولية الفاعلة في إطالة أمد الحرب في اليمن، والمستفيدة منه.
لا يمكن تفسير الاسترخاء السعودي – الإماراتي في تعاطيهما مع اتهاماتٍ ترقى إلى جرائم حرب في اليمن من دون قراءة حالة الإجماع الدولي التي رافقت تشكيل الحرب في اليمن وتطوّراتها، حيث أحدثت هذه الحالة اللافتة، وغير المسبوقة في أي حرب مؤقلمة، منفذاً لدول التحالف، للإفلات من المساءلة، وشكلت الإدارة الأميركية، ممثلةً بشخص الرئيس دونالد ترامب، الحليف الإقليمي لدول التحالف، ضلع المعادلة الرئيس في استمرار تماسك الإجماع الدولي حول حرب في اليمن، كما مثّل وصول ترامب إلى السلطة تعقيداً إضافياً للحرب في اليمن، إذ كانت المقاربة الأميركية للحرب، وما زالت، تنطلق من طرق تحصيل المال السعودي والإماراتي لا أكثر، وليس لأجل استقرار المنطقة، أو لحماية مصالح الأمن القومي الأميركي، ومن ثم صبّت توجهات إدارة ترامب في صالح استمرار الحرب في اليمن، في حين تعمّدت إدارة ترامب تجاهل أن الصراع السعودي – الإيراني الذي يمثل الخلفية الإقليمية للحرب في اليمن لم يكن نتيجة ديناميكية الصراع في اليمن، وإنما كانت وقوداً لمجمل الحروب المؤقلمة في المنطقة، ومن ثم كانت أهم تجليات توجهات إدارة ترامب في طريقة تعاطيها مع جرائم حلفائها في اليمن.
باعتباره حليفا دوليا للسعودية والإمارات في اليمن والإقليم، مثل تناغم ترامب مع طريقة إدارة التحالف الحرب في اليمن مغنماً لدول التحالف. إضافة إلى ذلك، فإن ترامب الذي أثبت بانسحاب بلاده من مجلس حقوق الإنسان، للتهرّب من أي مساءلة حيال الانتهاكات الأميركية في أفغانستان، لن يتورّع أبداً عن اتخاذ أي تدابير غير حضارية، حتى لو كانت على الضد مما تمثله القيم الأميركية في مخيلات الحالمين. وفي المقابل، فإن ترامب، الذي تعمّد الدفع بحلفائه الإقليميين بالمضي في أهدافهم حتى النهاية، عمل على حماية حليفيه اللذين ينفذان أجندته في المنطقة، وبما يضمن عدم توريط إدارته في أي مساءلة مستقبلاً، ومن ثم كان حرص إدارة ترامب على تبرئة ساحة حلفائها في اليمن من أي دعاوى لانتهاكات حقوق الإنسان يمثل عماد الاستراتيجية الأميركية، وتمثل ذلك بتجاهل تقارير المنظمات الدولية التي تؤكّد تورط حلفائها بمقتل المدنيين في اليمن، وكذلك إثبات تورّط إيران في دعم مليشيات الحوثي بالصواريخ الباليستية، ذريعة لاستمرار قصف التحالف المدن اليمنية، ومحاولة ترشيد خطاب دول التحالف حيال انتهاكاتهما في اليمن.
أربكت الهزّات السياسية التي لاحقت ترامب أخيرا الإدارة الأميركية وقيادة التحالف العربي، فعلى الصعيد الأميركي، أرادت إدارة ترامب إعفاءها من أي مسؤوليةٍ قانونيةٍ أو أخلاقيةٍ حيال مقتل المدنيين اليمنيين جرّاء غارات التحالف. ولذلك صعّدت الإدارة الأميركية من خطابها ضد الرياض، بعد مجزرة أطفال حافلة صعدة، تزامناً مع زيارة مسؤول عسكري أميركي الرياض الذي كما يبدو أجبر السعودية على التحقيق في مقتل أطفال حافلة صعدة. ونوعا من رفع العتب لا أكثر، رحّبت واشنطن لاحقا بالاعتراف السعودي بجريمة صعدة، إلا أن صدور نتائج التقرير الأممي الذي أعدّه الخبراء حيال انتهاكات حقوق الإنسان في اليمن أعاد ملف انتهاكات التحالف

“تجاهلت الرياض أنها من أطراف الحرب المتورّطة بمقتل المدنيين، وبالتالي لا يحق لها التحقيق في الانتهاكات”

إلى الواجهة السياسية، حيث شكّل ذلك إحراجاً مضاعفاً لإدارة ترامب، فقد أكد التقرير أن انتهاكات التحالف والقوى المنضوية تحتها، وكذلك جماعة الحوثي، ترقى إلى جرائم حرب، وهو ما جعل وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، يصرّح بأن دعم أميركا التحالف العربي لن يكون إلى ما لا نهاية، في حين يشكّل احتمال عزل ترامب تهديدا لدول التحالف، ولن يؤدي فقط إلى إعادة النظر في جدوى استمرار الحرب في اليمن، بما في ذلك تفكيك الإجماع الدولي، وإنما فتح ملف انتهكات التحالف في اليمن، والدول التي تواطأت مع الحرب، على حساب الضحايا الأبرياء.
ربما من المبكّر التفكير برئيس أميركي آخر، ينظر إلى الضحايا اليمنيين بعيداً عن التحديق بالأرصدة السعودية والإماراتية المتراكمة، وإنما كونهم بشرا يستحق قاتلهم العقوبة، ويستحقون العدالة، وربما لا يهتم اليمنيون، في الوقت الراهن، بترتيب خريطة من يقتلهم، ومن يشارك بقتلهم، سواء من أبناء جلدتهم، أو من جاء دفاعاً عن سلطتهم ضد المتمرّدين، أو من القوى الدولية الكبرى التي تتسابق في تأبيد الفاجعة اليمنية؛ لكن البديهي أن المسؤولية السياسية والقانونية والأخلاقية المترتبة على مقتل آلاف اليمنيين بغارات التحالف ستظل وتراً حسّاساً بين أميركا وحلفائها، من يشدّه قد يشدّ الآخر ويوجعه، ومن يفلته قد ترتخي أعصابه مؤقتا، وإن استمرّت أرواح الضحايا في مطاردتهم.

إعجاب تحميل...