تعيش منطقة الهلال الخصيب والجزيرة العربية ومصر سقوط الدولة والجغرافيا السياسية لها في وحل الحرب أو ما دونها، أو تحت تهديداتٍ وجوديةٍ لمستقبلها وحدودها. وغنيٌ عن الذكر التأكيد على مسؤولية النظام الرسمي العربي، بكل مستويات التورّط والجريمة، في هذا الواقع.

لعل عام 2020 يُمثل منعطف السقوط الكبير في الوطن العربي. القضية ليست تشاؤما أو تفاؤلا، وإنما هي معطيات التحليل السياسي القائمة على الأرض واستشراف المستقبل. ونرجو أن يُغير الله مسارات هذا المستقبل نحو السلم والاستقرار الاجتماعي للشعوب، والذي هو مقدّمة المقدمات اليوم لإعادة إحياء فكر النهضة العربي، وصناعة درب المعرفة واضح المعالم، لتكون مادة الكفاح السياسي والحقوقي، قائمةً على أرضية مدافعة صلبة لهذا المستقبل المروّع.
تعيش منطقة الهلال الخصيب والجزيرة العربية ومصر تداعيات هذه المرحلة بين سقوط الدولة والجغرافيا السياسية لها في وحل الحرب أو ما دونها، أو تحت تهديداتٍ وجوديةٍ لمستقبلها وحدودها. وغنيٌ عن الذكر اليوم التأكيد على مسؤولية النظام الرسمي العربي، بكل مستويات التورّط والجريمة، في هذا الواقع القائم.
وحتى منطقة الشمال العربي الأفريقية لا تزال تعاني من هذه التجاذبات، لكنها في مرحلة صمود واستقرار نسبي، وهو نسبي مهم، في ظل حصاد المشرق ودماء شعوبه النازفة. وهنا تبدأ قضية جديدة أن هذا السقوط العربي ليس فراغاً وحسب، لكنه مليء بتدخلاتٍ وهيمنةٍ إقليميةٍ ودوليةٍ متعدّدة، وكأنما تم تأميم هذه الجغرافيا وإشاعتها لكل نفوذ، وتحت اسم رسم الحكم بأنه عربي، قوميا كان أو دينيا يتكئ على ثيوقراطيته المقننة، فالحصيلة واحدة في الإرث الذي يعيشه الوطن العربي.
“السقوط العربي ليس فراغاً وحسب، لكنه مليء بتدخلاتٍ وهيمنةٍ إقليميةٍ ودوليةٍ متعدّدة، وكأنما تم تأميم هذه الجغرافيا وإشاعتها لكل نفوذ”

وليس المقصد هنا استعراض كل ناحية تحتاج إلى وقفة في هذا الملف، ذلك أن ركن المقالة هو: كيف يُجمع شتات الفكر في الوطن العربي الذبيح، لتأسيس منظومة فكر إنقاذي، تقوم على أساسين، السلم الأهلي بين الشعوب والدولة، وبين الشعوب ذاتها، والبدء بأرضيةٍ جديدةٍ للعودة الى ميثاق إنقاذٍ عربي، والذي لا يمكن أن يُحقّق عبره فكر النهضة العربي أياً من أحلامه، من دون أن يستقر في ضمير الكتلة الثقافية النضالية، والرأي العام المساند لها. فكيف تُخلق هذه الكتلة اليوم، في ظل بقاء الإحتراب الفكري؟ ولنكن واقعيين، حين نفهم أن مساحة الخلاف بين الحالتين، العلمانية العربية بأطيافها، والإسلامية بأطيافها، ليست سهلة، في ظل الأزمات الحادّة التي عزّزها استخدام أنظمة الاستبداد المتعدّدة لها، لإبقاء الحرب الفكرية مشتعلةً لتساعد هذه الأنظمة في بسط سلطتها.
ولنتأمل جيداً في مشهد استخدام الأنظمة في مصر وسورية وفي اليمن ذلك الصراع، واستخدام الثورة المضادّة له، وفي حين لم تُحسم قضايا مهمة للغاية، يسعى فكر النهضة الإسلامي إلى التبشير بها، في الدائرة الإسلامية حول الدولة المدنية والحقوق الدستورية، وإن أحرز تقدّما جيداً فيه. لكن رياح التوظيف، أو التعصّب الشعبوي الوعظي الحاد، تعود كل مرة إلى بعثرة طاولة هذه المفاهيم في الشارع العربي، المغلوب على أمره، والذي تحوّل الإحباط لديه إلى كتلة من مشاعر ثائرة، تتوجّه نحو أقرب منبرٍ يمكنه الحديث عنه، من دون أن تتغوّل السلطة عليه، وهنا دور النخب الشعبوية، واللعبة الأمنية فيها، فتثير مدافع الفوضى والتضليل نحو دعاة الفكر النهضوي من الإسلاميين العرب، لتصرف الناس عن فشل الخطاب الوعظي الشعبوي. والمقصود بالوعظي هنا ليس الذي يعتني بمسائل التربية الروحية، وحاجات الناس لقيم الإسلام وأخلاقه، وإنما تلك الكتلة التي تُحفّز المجتمع ضد فكر التجديد، باسم الانحراف عن أصول الإسلام، وخدمة الأجندة الغربية.
ويزيد هذا التفويج الكريه، حين تنتبه هذه النخب، أن دلالات الواقع تبيّن لاهتمام الرأي العام أن من أخطر المهام الوظيفية التي استفادت منها الرأسمالية الغربية المتوحشة هو بعث الفوضى عبر جماعات النخبة الشعبوية التي تهتف في الناس الجهاد ..الجهاد، في حين كان كل المشروع الذي استنزف الدماء والأموال وظيفيا، استخدم فيه الشعبوي لإسقاط حلم النهضة المغتال. وهنا لحظة فارقة، يسعى بها الشعبوي الوظيفي إلى صرف الأنظار عن جريمته، حين يعي الشباب العربي أن جهاد الفكر، وأصول المقاومة الراشدة لأجله، لا تمرّ عبر دكاكين تلك الزمرة، وأن طريق التحرير إلى كرامة الإنسان والأوطان من هنا، وليس من منابر نخبة الدم، وهذا بالضبط ما يقف ضده الشعبوي الأجير، أو المتطرّف السفيه.
أما في الحالة اللائكية الإقصائية، والتي يقصد بها هنا تيار المواجهة والعسكرة الفكرية التي ترفض مجرّد الاعتراف بالبعد الإسلامي الثقافي في الشارع العربي، وأنه شريك مواطنة وحياة مدنية، لا يمكن لنهضةٍ وطنيةٍ أن تستبعده، فتحديد الأزمة هنا أكتفي فيه، بوصف المفكر

“مساحة الخلاف بين الحالتين، العلمانية العربية بأطيافها والإسلامية بأطيافها، ليست سهلة”

اليساري السوداني، عبد الله علي إبراهيم، في حوار معه عن الرؤى التجديدية للشيخ حسن الترابي. حيث تساءل المحاور عن عدم الاهتمام في شرائح العلمانية السودانية بآفاق الترابي النهضوية، فأجاب لأنهم لم يقرأوا له ولم يفهموه، ولماذا لم يقرأوا ولن يقرأوا، فلأنهم يكرهونه!
وهنا، لا يخصّ جدار الكراهية الحالة العلمانية فقط، بل لدى بعض الإسلاميين العرب المعادلة نفسها بالحكم على الفكر عبر خندق الكراهية، لا المعرفة الثقافية، سوى أن ترميز عبد الله إبراهيم إلى هذه المعضلة عند العلمانيين السودانيين، ولا نعمم بالضرورة، هي حالة متنقلة أيضا، في أكثر من قطر عربي.
وهنا نقطة فاصلة لرسالة الفكرة في هذا المقال، أننا نسعى من هذه الدعوة إلى تقليل مساحة الصراع، وليس الخلاف الذي سيظل قائما، بين هذه الأطياف الكبرى، والتي لا يمكن أن يوضع كل منها في سياقٍ واحد، فضلاً عن توحيدها بعبارات علاقاتٍ عامة، إنما الهدف تمهيد الأرض للمشتركات الكبرى، والموجودة في ضمير كل عربي، لتضيّق كل مساحة من دون تحقيق دولة العدالة المدنية التي يستظلّ بها كل تيار، ويكافح لتحقيق طموحات شعبه.
ومهمتنا اليوم ليست طارئة، بل فريضة متأخرة، بعد أن أبصرنا عياناً كيف ذهبت هذه التضحيات من حياة الشعوب، وكان من وسائل اغتيال حلم العرب هذه الفوضى وجدران الكراهية التي عزلت الفهم عن الحوار الراشد لمساحة الإنسان والدين في الدولة العادلة.