أرجو ألا يخدعكم العنوان، فأنا لا علاقة لى بالخبر ولا الشخصية البديعة التى أكتب عنها اليوم، إنما الأمر يتعلق بإنسان غيرى (فتح الغين) وكسر الياء وكسر وتشديد الراء، بمعنى إنسان يحب للغير بلا هدف إلا المحبة وهى فى القاموس عكس أنانى وترجمتها altruistic.

فى عامه الثالث والثمانين أقدم السيد نيكولا كراس من هامشير ببريطانيا Nicolas Crace Hampshire على التبرع بكليته إلى هيئة تقدم خدماتها بلا مقابل لمرضى الفشل الكلوى، تقدم الرجل لإهداء كليته السليمة لإنسان لن يراه ولا يعرفه ــ وفقا لشروط تلك الهيئة حتى لا تكون هناك على وجه الاطلاق شبه اتجار فى الأعضاء ــ عن رضا وقناعة.

حينما سلطت الصحافة الأضواء على نيكولا كراس الذى يمضى أيام كهولته الآن فى العناية بحديقة منزله وزهوره وزيارة أصدقائه والقيام بأعمال تطوعية لمعاونة سكان الحى الذى يسكنه كشفت عن تاريخ إنسان بديع.

قبل سن الأربعين تبرع بنخاع عظامه لعلاج مرضى سرطان الدم، ظل حتى سن السبعين يتبرع بانتظام بدمه للحالات الحرجة، المعروف أن المتبرع بالنخاع يجب ألا يتجاوز الأربعين وعند السبعين لا يقبل من المتبرع دم. من البادى أن مشكلة السيد نيكولا الوحيدة كانت السن إلا أنه حينما سأل طبيبه ذكر له أن كليته هى الشىء الوحيد الذى يمكنه التبرع به فى سنه الكبيرة، إذ إنها تظل تعمل بكفاءة تفوق أى أجهزة إذا ما نقلت لمريض بالفشل الكلوى.
لم يتهمل إنما تقدم لمنحها عن طيب خاطر لمريض لا يعرفه ولن يراه، احتمل عددا لا نهائيا من الفحوصات التى كان يجب إجراؤها للتأكد من سلامة كليته كانت تضطره للذهاب للمستشفى بانتظام على مدار ثلاثة أشهر قبل إجراء العملية..

«شعور جميل أن تشعر فى تلك المرحلة من العمر أنك مازلت مفيدا قادرا على العطاء» ــ كان تعليق السيد نيكولا الأول بعد أن تعافى.

مازالت بلادنا تتعثر بين اللوائح والفتاوى فيما يتعلق بنقل وزراعة الأعضاء فى الجنوب، بينما بلاد الشمال قد أرست القواعد والقوانين التى تتيح إنقاذ الأرواح وعلاج الأمراض المستعصية فى يسر وكفاءة.

شجاعة رجل فى الثالثة والثمانين من عمره فى رأيى تعكس رضا عميقا عن حياة طويلة عاشها محبا للناس والحياة مثل إنسان بديع يدفعنى لتذكر مثل مصرى آخر نادر لصديقة اعتبر وجودها فى هذا الزمان نعمة من الله سبحانه.
تقدمت تلك الإنسانة «الغيرية» بفص من كبدها وهى في عز الشباب لعلاج طفلة تتوارث عائلتها مرضا فى الكبد يورث الهلاك.. طفلة مريضة جمعتها بها مصادفة فكانت موعدا للحياة.

القوانين تنظم العلاقات بين البشر دون اعتبار لإنسانيتهم.. الاعتبارات الإنسانية هى اختيار الإنسان وحده بعيدا عن القوانين.