على إحدى قنوات الدراما، يُعاد الآن عرض مسلسل «ضمير أبلة حكمت» للراحل الكبير أسامة أنور عكاشة وبطولة العظيمة فاتن حمامة، ومن إخراج إنعام محمد على، والذى عرض للمرة الأولى عام 1991.
لم أشاهد المسلسل كاملا سوى مرة واحدة فقط، ربما منتصف التسعينيات، ثم شاهدت حلقات متقطعة منه فيما بعد. الغريب أن استجابتى له كانت عادية جدا، لم أكن دخلت الجامعة، ولم أكن أحمل وعيا متسائلا ولا ناقدا، بل فى أحيان كنت أستشعر بعض الملل وأقول فى سرى: «يييييييى هى ناقصة مواعظ ومثاليات ما كفاية اللى احنا فيه»!!

لكننى هذه المرة ــ الآن 2018 ــ قررت أن أشاهده كاملا، كأننى أعيد مشاهدته وتأمله لأول مرة.

خمس عشرة حلقة من الدراما الأصيلة الموجعة؛ دراما بتوقيع أسامة أنور عكاشة الذى أعده دون مبالغة «نجيب محفوظ الدراما العربية»؛ أستاذ الكتابة الدرامية الأول بلا منازع، أعماله تتحدث عنه.. لن أعدد أو أحصر.
فقط فى «ضمير أبلة حكمت»، ورغم بروز طفيف لنتوءات المباشرة والوعظية والصوت العالى، تبقى الدراما الأصيلة المحتفظة بقيمتها ورونقها، نماذج بشرية من لحم ودم.. حكمت هاشم التربوية الأصيلة، وصلاح أبورحاب الرأسمالى المتوحش (نموذج صعود رجال المال والأعمال العابرين للقارات فى الثقافة المصرية)، والمدرسات غير المؤهلات للعمل التربوى والتعليمى (يمكن فقط مراجعة شخصية أبلة زاهية التى جسدتها القديرة عايدة عبدالعزيز أو شخصية المدرسة رجوات التى أدتها باقتدار الراحلة سناء يونس)، أو الست أم جابر التى أدتها هدى زكى.. وغيرها وغيرها.

استجابتى للمسلسل مذهلة، كما يقولون فى عاميتنا الحلوة «قلب عليا المواجع». هذا المسلسل كأنه يروى جانبا من حياتى، قطعة مجسدة من أحلامى وأحزانى، آمالى وطموحاتى وإحباطاتى وإخفاقاتى، فأنا ورغم احترافى الصحافة والكتابة منذ خمسة عشر عاما تقريبا؛ لم أرَ نفسى إلا «خوجة»؛ مُعلما، لكن ليس بمفهوم ولا مواصفات ما هو سائد الآن!

كان مفهوم «أبلة حكمت» للتعليم والعملية التعليمية والتربوية ونظرتها للمعلم هى أقرب ما يكون لما تصورته أو مارسته فى مستهل حياتى العملية! وعدتُ بذاكرتى إلى الوراء، هناك بعدما تخرجت وتبخرت أحلام التعيين فى الجامعة، وصار لزاما عليك أن تخوض غمار الواقع لا الأحلام، كانت المهنة التى أول ما يتبادر إلى سمعك عنها هى «العشرة بقرش»!! هكذا أخبرنى بوقاحة أحد مديرى المدارس الخاصة فى مقابلة التوظيف الأولى!
نعم. إنها مهنة «التدريس» التى صارت مهنة من لا مهنة له، كل عام تلفظ الجامعات المصرية عشرات الآلاف على شواطئ البطالة المقنعة، المهنة التى تستوعب أى خريج جامعى دون أدنى نظر لمؤهلاته الإنسانية والنفسية والعلمية قبل مؤهلاته التعليمية والتربوية والتدريسية!

إنها الكارثة التى حلت على التعليم المصرى قبل ستة عقود تقريبا! قالوا إن التعليم مجانى وقالوا إن الدولة مسئولة عن تعليم أبنائها، أما الحاصل فعلا فلا التعليم صار مجانيا ولا الدولة قامت بمسئولياتها كاملة ولا حتى فى حدها الأدنى؛ وانضرب حقل التعليم بأكمله؛ إدارة وتعليما ومدرسين وأبنية وكل شىء! وبعد أن كان على رأس وزارة المعارف العمومية طه حسين جاء وزير تعليم «سابق» لا يعرف القراءة والكتابة، ولا يفرق بين الهاء والتاء المربوطة، ولا يحسن التعبير إلا بعامية منفرة وتعبير مرتبك وتشوش فى الرؤية!

اشتغلت مدرسا وأمضيت ثلاث سنوات ونصف السنة وأنا أمارسها بانتظام بإحدى المدارس الخاصة، كانت تجربة من أهم وأعمق وأخطر التجارب التى مررت بها فى حياتى، ما زال تأثيرها عميقا وممتدا رغم اعتزالى إياها منذ 15 عاما تقريبا.. ورغم مرور هذه المدة الطويلة اكتشفت أن حلمى الكبير (مثل حلم أبلة حكمت بالضبط) لم يمت! فما زلتُ أحلم بأن أرى مؤسسة تعليمية حقيقية (قبل جامعية وجامعية) يكون عماد العملية التعليمية فيها هو «البشر» قبل أى شىء آخر!

بشر مؤهلون إنسانيا ومعرفيا وثقافيا كى يقوموا بأخطر وأهم وأعظم دور فى حياة البشر!

أعتقد أنه آن أوان تسجيل هذه التجربة بكل ما فيها، بكل جمالها وقبحها، بكل ما رأيته فيها من أمل وإحباط وضمائر يقظة معدودة وضمائر خربة وفاسدة هى السائدة وهى الغالبة إلى أن يقضى الله أمرا كان مفعولا.