في مقاله المنشور 3 سبتمبر (أيلول) في موقع عربي 21 بعنوان (عندما كان نتنياهو مهزومًا وضعيفًا.. واهتز قلب كيري له!) ذكر الأستاذ فراس أبو هلال أن وزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري أخبر في كتابه الأخير عن حياته السياسية، أنه عندما التقى بنتنياهو أثناء العدوان على غزة عام 2014 للحديث عن الهدنة، أنه لأول مرة يرى نتنياهو مهتزًا وهشًّا، وبغير طاقته المعهودة، وأن مشهده بهذه الصورة قد «مسه»! لأنه من الصعب عليه أن يرى زعيم إسرائيل على هذه الهيئة.

  وذكر الأستاذ فراس أن الإدارة الأمريكية السابقة لم تكن على وفاق تام مع نتنياهو، أما أن يصرح الوزير كيري أن مشهد زعيم إسرائيل قد مسه، فهو ما يعني أنه مهما كان عدم الوفاق والاتفاق بين الإدارتين، إلا أن الاستراتيجية الأمريكية في كل الأحوال لا تقبل بأي هزيمة أو انكسار لإسرائيل وزعيمها، وأن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل تقوم على ضمان أمن دولة الاحتلال وتفوقها الاستراتيجي بأي ثمن، وذهب سيادته في إجابة على سؤال لماذا كان نتنياهو بهذه الصورة من الهزيمة والضعف أثناء عدوان 2014 دون غيره من الأوقات، إلى الحد الذي يتألم فيه كيري أشد الألم، ذهب إلى أنه كان بهذا الضعف والاهتزاز، لأنها من المرات القليلة التي يشعر فيها نتنياهو أن احتلال فلسطين له ثمن، وأن الاشتباك بين الشعب الفلسطيني المحتل مع الصهاينة بأي وسيلة ممكنة وقانونية، هو وحده الكفيل بتدفيع حكومة الاحتلال ثمنًا لجرائمها وممارساتها القمعية، وذكر سيادته أنه لا يهم نوع الاشتباك، فالمهم هو أن يدفع الاحتلال كلفة سياسية وأمنية واقتصادية، وأن يخسر شرعيته، وأن يلاحق القتلة من سياسييه وعسكرييه قانونيًا، وأن يعاملوا كما يستحقون باعتبارهم مجرمي حرب، وهو ثمن لا يمكن أن يحصل بمجرد الأمنيات ولا بالتصريحات، بل بالاشتباك الذي يعيد للصراع معناه الحقيقي.

  الحقيقة أن الأستاذ فراس محق في كل ما ذكر، ومع هذا ليس لي إلا أن أضيف إلى رأيه والذي لا أشك في نجاعته ونصاعته، أن الصراع العربي الإسرائيلي اعتمدت فيه إسرائيل أكثر شيء على حرب البدايات أو الضربات الاستباقية، التي تقوم على طريقة المباغتة والمفاجأة، وهذا أدعى لها -كما يقول الخبراء- في تحقيق الانتصار وكسب المعركة من أول ضربة، ومع ذلك يمكن القول أن عمليات الاغتيالات والتصفية للقادة والسياسيين والعلماء، الذين يعتقد صناع القرار في إسرائيل، أنهم مصدر خطر وقلق يمكن من شانه أن يهدد الأمن القومي الإسرائيلي لذلك تتم تصفيتهم، يمكن القول أنها أيضًا ضربات يقصد بها تدمير الطرف الأخر، ويقصد بها إطالة أمد الاحتلال، كل ذلك يصاحبه تفوق عسكري وتقنية عسكرية متقدمة.

  غير أن هذا النوع من الحروب التي يدمر فيها الطرف الآخر تدميرًا كاملًا أو جزئيًّا في أسوأ تقدير، تستخدمه إسرائيل أو أي طرف -فيما أتصور- إذا كان إما في حالة مفرطة من الخوف والرعب، أو في حالة مفرطة من الثقة والقوة، والمرجح هنا هو الافتراض الأول، وهو حالة الخوف والارتعاب، وهو السبب الرئيسي لاستخدام الضربات المباغتة والاستباقية، ومع ذلك فانه رغم أن إسرائيل متفوقة إلى حد كبير في الناحية العسكرية، وربما تتفوق على الدول العربية مجتمعة بما بلغته من تطور في التقنية العسكرية، إلا أنها تفتقد الثقة والطمأنينة، ويأخذها القلق والخوف كل مأخذ، مهما حاولت أن تفرض وجودها وذاتها عن طريق الأوهام واستخدام العنف، وما ذكره الأستاذ فراس من حالة الاهتزاز والضعف الظاهرة على نتنياهو، والتي مست وآذت كيري، تؤكد أن خيار الحرب والصراع هو خيار إكراه وخوف من الطرف الإسرائيلي، وتلجأ فيه إلى خيار الضربات الاستباقية داخل فلسطين وخارجها، والأمثلة على ذلك كثيرة في تاريخ الصراع.

  ومع ذلك رغم البون الشاسع، بين الواقع الذي وصلت إليه الدول العربية والإسلامية، بما ينطوي عليه هذا الواقع من اقتتال وحروب بلا هوادة بين بعضها البعض، وبين الواقع الذي كان من المفترض أن تكون عليه من القوة والجاهزية لسحق العدو، لكن هذا لا يمنع أو ينفي حقيقة الخوف لدى الإسرائيليين، وهو ما تفضل بالإبانة عنه الأستاذ فراس، الذي نقل عن الوزير كيري أنه رأى أمارات الضعف والهزيمة على نتنياهو، وهو ما كان صعبًا عليه أن يرى زعيم إسرائيل على هذه الهيئة.