لا أعلم كيف مر الوقت بهذه السرعة, أكثر من عامٍ منذ المرة الأخيرة التي جلست فيها للكتابة, ولا أحبذ أن تكون عودتي للكتابة متعلقةً بموضوعٍ سياسي, لكنني – ومرةً أخرى- أسترجع في ذهني مقولة أحمد خالد توفيق إن: “أحيانًا يصل الاستفزاز لدرجات يجعلك تتساءل: ما جدوى الكتابة إن لم تستعملها الآن؟”, ولأنني لا أملك سوى قلمي, أكتب.

{أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ} * {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}

الآيات السابقة هي من سورة القلم, فسّرها السلف على أنه هل يتساوى من خضع لله بالطاعة وخشع لأمره ونهيه, بمن اكتسب المآثم والمعاصي وخالف أمر الله ونهيه؟ بل ويزيد بسؤال الناس عن معايير حكمهم وكيف ظنوا بذلك أساسًا.

استيقظت من نومي في يومٍ من الأيام على تلك الآية, وأنا من الأشخاص الذين يظنون بأن كل شيء يحدث لسبب, ولهذا أتتني فكرة هذا المقال. أما عن استخدامي لها فليس القصد منه أن أحكم على النوايا, إنما أقولُ رأيي فيما ظهر, تاركًا ما بطُن لله.

وبقدر ما أفهم, أرى أن حكّامنا لا يختلفون كثيرًا عن بعضهم, يأتون على أكتاف الشعب مطلقين الوعد تلو الآخر, وجل ما نراه حينما يحكمون هو بطشٌ وظلم. اختلفت الأسماء والتيارات وطُرق الوصول للحُكم, لكن ظل السلوك واحدًا لم يتغير منذ أكثر من 60 عامًا.

وإن تجاهلنا ما حدث في الماضي، وضيّقنا النظرة على ما نعيشه حاليًا, فكم من شخصٍ قُتل في الأشهر الماضية؟ كم من طالبٍ ذهب لدراسته ولم يعد؟ كم من سجينٍ فقد حريّته بسبب رأيه, أو حتى دون أن يدري بأي ذنبٍ سُجن؟ كم من سجينٍ عُذّب ظلمًا؟ كم من مسئولٍ أمني مارس ساديته ونفوذه على فردٍ من الشعب؟ وكم من بيتٍ أُخترقت خصوصيته فجرًا للقبض على ساكنيه؟
كم من فتاةٍ تم التحرش بها دون تدُخل أمني؟ كم من شخصٍ لا يجد قوت يومه؟ كم من شخصٍ فقد فرصة عمل بسبب “واسطة”؟ كم من مجنّدٍ “إجباري” وُضع على الحدود لعدم امتلاكه “واسطة” وفقد حياته لأنه غير مدرّب على مواجهة مثل تلك الظروف؟ كم من باب رزقٍ أُغلق؟ وكم من مغيّرٍ حورب؟ وكم من شابٍ أُحبط؟

ربما تشعر أنك قرأت الفقرة الماضية في العديد من المقالات مسبقًا وأنها دون معنى, وأنت على حق فتكرار الشيء يُفقده معناه, فتلك الفقرة كررها العديد باختلاف مسمّياتهم على مسامع الحكام منذ عقود دون أن نجد تغييرًا يُذكر, ويبدو أن هذا شيءٌ اعتدناه ونتعامل معه على أنه أمر واقع وحتمي مع قدوم كل حاكم, لكن ما لا أستطيع أن أفسّره – بالرغم من تكراره هو الآخر- هو كيفية حكم الناس على أداء الحاكم, كيف لهم أن يرضوا بل ويهللوا لحاكمهم وهم يرون كل هذا الكم من البطش والظلم منه ومن معاونيه؟ سَيُقال إنهم مغيّبون بما يرونه في الإعلام, فماذا عما يشاهدونه بأعينهم كلَ يومٍ في الشوارع؟ كيف يستطيعون أن يكذّبوا بل ويبرروا ما يرونه؟
لا جديد في أن يكون الحكام ظالمين, لكن ليس هناك ما هو محبطٌ أكثر من أن تجد المحيطين بك ارتضوا الظلم بل ويساعدون على انتشاره, وسيبقى السؤال الذي يدور في ذهني حول هؤلاء الناس: “كيف تحكمون؟”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست