تابعت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الخطوط العامة لسياسة سلفه الرئيس باراك أوباما، وبعد أن بدا الأمر وكأن المستفيد الأكبر على الأرض في سورية هو النظام الإيراني، بدأت بالتغيير نحو مزيدٍ من التدخلية، والتأثير في سير الأحداث في سورية.

تتّجه الإدارة الأميركية نحو رسم سياسة جديدة حيال الوضع في سورية، بعد أن تخلت إدارة الرئيس السابق، باراك أوباما، عن دورها الفاعل في سورية، لصالح إطلاق يد نظام الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، كي يفعل فيها ما يشاء، مع تحويل كل جهودها لمحاربة مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وغض النظر عن جرائم نظام الأسد. وفي السياق نفسه، تابعت إدارة الرئيس دونالد ترامب الخطوط العامة نفسها لهذه السياسة، لكن بعد أن بدا الأمر وكأن المستفيد الأكبر من ميل الكفة على الأرض في سورية هو نظام الملالي الإيراني، بدأت السياسة الأميركية بالتغيير نحو مزيدٍ من التدخلية، والتأثير في سير الأحداث في سورية، من بوابة الحدّ من نفوذ نظام الملالي.
وتدفع مراكز صنع القرار والسياسات في الولايات المتحدة نحو سياسة أميركيةٍ أكثر تدخليةً وانخراطيةً في الملف السوري، خصوصا بعد تراجع الحديث عن انسحاب أميركي وشيك من سورية، حسبما كان يرغب به الرئيس ترامب. وفي هذا السياق، جاءت المذكرة السياسية، أو الرسالة كتبها: كاثرين بوير وسونر كاغابتاي وباتريك كلوسون ومايكل إيزنستاذ وجيمس جيفري وبابرا ليف وماثيو ليفيت ودينس روس وروبرت ساتلوف، ونشرها معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في 11/7/2018، كي تضع الخطوط الرئيسية لهذه السياسة الجديدة، وتضع المسوّغات والحدود والأهداف كذلك.
وتكتسي هذه الرسالة أهمية خاصة من أنها كُتبت قبل تعيين جيمس جيفري، السفير السابق في 
“تدفع مراكز صنع السياسات في الولايات المتحدة نحو سياسة أميركيةٍ أكثر تدخليةً في الملف السوري”

كل من تركيا والعراق، مبعوثاً خاصاً لوزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، إلى سورية. إضافة إلى أنه كتبتها شخصيات نافذة ومؤثرة في صنع السياسة الخارجية الأميركية، ولعل الأهم أن الرسالة تأتي بالتضادّ مع المنحى الذي آلت إليه الأمور عسكرياً، لصالح ساسة النظام البوتيني، وحليفيه نظام الملالي الإيراني والأسد الإجرامي. وجاءت الرسالة بعنوان “نحو سياسة أميركية جديدة في سورية”(Toward a New U.S. Policy in Syria)، وخطوطها العريضة تتمحور حول مواجهة نظام الملالي الإيراني، وردع “إحياء داعش”، حسب عنوانها الفرعي: (ground zero for countering iran and deterring an islamic state revival).
تنظر الرسالة إلى سورية بعد “سبع سنوات من النزاع”، بوصفها “ميدان المعارك الوحيد في العالم” الذي تنشط فيه “القوى العسكرية الأميركية والروسية والتركية والإسرائيلية”، إضافة إلى جيش النظام وحزب الله اللبناني، وسائر مليشيات نظام الملالي الشيعية، ومليشيات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، وفصائل المعارضة السورية، والفصائل الإسلامية، بما فيها هيئة تحرير الشام و”داعش”.
ويكشف الانخراط العسكري لمجموعة واسعة من القوى الدولية والإقليمية الأهمية التي توليها هذه القوى لسورية، بوصفها ساحة صراع وتنافس استراتيجية في الشرق الأوسط، وتنظر الرسالة إليها بوصفها “وازنةً في ميزان المصالح الأميركية”، من جهة أن عاصمة “داعش” السابقة كانت توجد فيها، وبوصفها كذلك “حلقةً حيويةً” من حلقات سعي إيران للسيطرة على ممرّ بري، يمتد من البحر الأبيض المتوسط، وصولاً إلى جنوب غرب آسيا. والأهم بالنسبة إلى كاتبي الرسالة هو سعي نظام الملالي الإيراني إلى “فتح جبهة جديدة مع إسرائيل”، وأن “سورية دولة (حلقة) مركزية، فضلاً عن أنها تشكّل مصدراً محتملاً “لسيل ضخم من اللاجئين”، و”منصّة أو بوابة بحرية روسية واستخباراتية في شرق المتوسط”.
ويحاول كاتبو الرسالة التمييز ما بين أهداف نظام بوتين في سورية وأهداف نظام الملالي الإيراني، معتبرين أن “روسيا قد لا تدعم طموحات إيران إلى الهيمنة من لبنان إلى جنوب غرب آسيا، ولا تريد أن تفتح جبهات جديدة ضد إسرائيل”. كما أنها لا تريد مرابطةً دائمةً للمليشيات في سورية، يمكّن نظام الملالي من التحكم بها، و”تهمّش دور الأسد”. لذلك يرون أن تعاون الولايات المتحدة الوثيق مع الحلفاء يمكّنها من “الضغط على روسيا، إذا هدّدت ما ترمي إليه موسكو: حماية نظام الأسد”. وهنا يأتي دور إسرائيل، بوصفها أكثر المؤهلين لزرع شقاق ما بين نظام الملالي ونظامي بوتين والأسد، إذ يتصوّر كاتبو الرسالة أن إسرائيل “قادرة على وضع روسيا أمام معضلة: تقييد عدائية إيران أو مواجهة احتمال حرب بين إسرائيل وإيران وحزب الله على الأراضي السورية، ما يهدّد المصالح الروسية في المنطقة”، لذلك 

“يأتي دور إسرائيل، بوصفها أكثر المؤهلين لزرع شقاق ما بين نظام الملالي ونظامي بوتين والأسد”

يطالبون بإرفاق العقوبات الأميركية على نظام الملالي بخليطٍ من الديبلوماسية النشطة مع الحلفاء الإقليميين، وفرض “قيود على هامش حركة طهران”. ولتحقيق ذلك، ينبغي “إبقاء القوات الأميركية في سورية، وإعادة فرض منطقة حظر جوي في منطقة شمالي سورية، التي تسيطر عليها أميركا وتركيا”.
وهكذا يعود بنا كاتبو الرسالة إلى مسألة فرض منطقة حظر جوي في شمالي سورية في المناطق التي توجد فيها القوات الأميركية وتلك التي توجد فيها قوات تركية إلى جانب فصائل من المعارضة السورية، أي على منطقة تبلغ مساحتها 40% من مساحة سورية. ويتطلب هذا الأمر إصلاح الصدع الكبير في العلاقات الأميركية التركية، والتوصل إلى اتفاق أميركي تركي، يمكنه إبعادها عن مساري أستانة وسوتشي التي أطلقهما نظام بوتين، كي يرسم وجه سورية المستقبلية، والدفع باتجاه حل سياسي، ينهي حكم آل الأسد، وفق مسار جنيف والقرارت الأممية.
ولعل ملامح السياسة الأميركية الجديدة التي يرسمها كاتبو الرسالة تأتي على خلفية عزم الولايات المتحدة “الطعن في منحى الأمر الواقع في سورية”، والذي يميل لصالح نظامي موسكو وطهران. لذلك يحذر كاتبو الرسالة من أن الانسحاب الأميركي من سورية سيشكل “خطوة توحي بضعف أميركي”، وبغياب الرغبة في الوقوف في وجه نظام الملالي، فضلاً عن أنه يشير إلى تخلٍّ أميركيٍّ عن الحلفاء، ويقوّض ثقة قوى المنطقة التي تريد الانضمام إلى مسعى الإدارة الأميركية لمواجهة النظام الإيراني. ويتطلب تحقيق هذه السياسة الجديدة التزاماً أميركياً جاداً، والعمل على تنفيذها، وبناء تحالفات حقيقية مع القوى المناهضة لمشروع التوسع الإيراني.