من الإنصاف القول إن حركة حماس لم تقل كلمتها النهائية إزاء ما يجري عرضه الآن بصورة غير رسمية. وفي تقدير العارفين بآلية اتخاذ القرار في أطر الحركة، وبالتوازنات الداخلية فيها، من شبه المؤكد أن يرفض جناحها العسكري الكعكة المسمومة.

ما أن انتهت إجازة عيد الأضحى، وتبدّد السراب الذي غشي عيون المتعجّلين للخلاص، بكل ثمن، من الوضع الكارثي في قطاع غزة، حتى انتهى السباق المحموم بين أرنب التهدئة مع إسرائيل وسلحفاة المصالحة بين جناحي الانقسام الفلسطيني، ذلك السباق الذي انطلق عشية العيد بزخمٍ شديد، وبدت فيه الغلبة راجحةً لصالح خيار التهدئة التي أرادت ثلاثة أطرافٍ من الأطراف الأربعة المعنية (مصر وحركة حماس وإسرائيل) تحقيقها، في سياق ما بدا أنه موافقة أميركية صريحة على إنجاز التهدئة بوجود الطرف الرابع (السلطة الوطنية) أو بدونه، وفق ما أعلنت عنه واشنطن بكل صراحة، على اعتبار أن مثل هذه التهدئة قد تفتح باباً أوسع أمام مصالحةٍ لاحقة، يمكن إدماجها في إطار تسويةٍ إقليميةٍ أشمل، ومن ثمّة تمرير فقرة من فقرات صفقة القرن المشؤومة.
برد حديد التهدئة خلال هذه الفترة القصيرة بسرعةٍ قياسية، وفات وقت طرْقه في اللحظة المناسبة، جرّاء ما بدا أنه نتيجة ارتباك وسوء تقدير في الموقف المصري، وحدوث إخفاقٍ لافتٍ في التكتيكات التفاوضية المتبعة لدى إدارة المخابرات العامة المصرية، إثر معارضة السلطة وحركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية اتفاق تهدئة يسبق تنفيذ اتفاق المصالحة، أي 
“المنطقي التحفّظ على ما يشاع عن أفضليات “حماس” في هذه المرحلة، الملتبسة في واقع الأمر”

وضع العربة قبل الحصان، وكان ذلك إشارةً إلى عجز القاهرة في تجاوز الشرعية الفلسطينية المعترف بها عربياً ودولياً، ناهيك عن بروز معارضةٍ داخليةٍ إسرائيليةٍ متزايدة، من جانب أحزاب مشاركة في حكومة بنيامين نتنياهو، والصحافة والجنرالات المتقاعدين، ممن رأوا في تهدئةٍ كهذه استسلاماً لمطالب حركة “إرهابية”، نجحت في فصل ملف تبادل الأسرى والمختطفين عن صفقة التهدئة، فيما لم يتبق غير “حماس” جهة وحيدة لها مصلحة مؤكّدة في العبور من ممر المصالحة الإجباري غانمةً سالمةً، وتجاوز استحقاقات إنهاء الحالة الانقسامية دفعةً واحدة.
مع تعليق المخابرات العامة المصرية المفاجئ استضافة “حماس”، وشركائها الأقل شأناً، وتأجيل استئناف محادثات التهدئة إلى أجلٍ غير مسمى، من دون الإفصاح عن الأسباب والموجبات، أو تحديد موعد آخر، أو حتى إصدار بيانٍ يوضح برغبة من تأجلت هذه المحادثات، تكون هذه التهدئة قد تجمّدت في واقع الأمر، إن لم نقل إنها ذهبت مع الريح إلى إن يحدث تسخين موضعي مسيطر عليه لاحقاً. وانفتحت، في الوقت نفسه، نافذة صغيرة أمام عودة الأحاديث المملّة عن مصالحةٍ يريد كل طرف أن يفصّل قميصها على مقاسِه، تستّراً على حقيقة أن أحدا من طرفي الانقسام لا يريدها، في ظل هذا التباين في الأولويات بينها، وهذا التنافس الخفي على نيل رضا أميركا وإسرائيل؛ إما للحفاظ على سلطةٍ شرعيةٍ مثخنة الجراح، تحاول منع تحويل الانقسام إلى انفصال دائم، أو لنيل سلطة أمر واقع منهكة ومعزولة، شرعيةٍ من نوع ما، تسعى من خلالها إلى التشبث بغزة حتى النفس الأخير، من منطلق أن الحكم للجماعة أولوية أولى، تستحقّ العناء، وتعلو منزلته فوق كل اعتبار.
وهكذا، راح يتّضح، لكل ذي رأي سديد، أنه كلما تقدّمت التهدئة خطوةً صغيرة إلى الأمام، تراجعت المصالحة خطواتٍ واسعة إلى الوراء، وضاعت الفرصتان معاً. وفيما اخذ يتشكّل ما يشبه الإجماع الفلسطيني على أن هذه المصالحة هي الحل الوحيد لجميع مشكلات غزة، بما في ذلك الوصول إلى التهدئة المنشودة بأقل الخسائر السياسية، أخذ يتضح شيئاً فشيئاً أن كلفة التهدئة على فصيلٍ بعينه، غير مفوّض بتمثيل الكل الفلسطيني، والتحدّث نيابة عن الممثل الشرعي، باهظة، لا تقل ثمناً عن تكاليف اتفاق أوسلو، المرفوض قياماً قعوداً من “حماس”، وعلى رؤوس الأشهاد، فضلاً عن تبعات الذهاب إلى هذا الخيار المرهون بحُسن نيةٍ إسرائيليةٍ مجرّبة، ومن دون الالتفات إلى دروس التجربة المرّة وعظاتها الكثيرة، يؤكد أن معالجة الوضع المأزوم حقاً في غزة، تحت الضائقة الشديدة. وعلى هذا النحو الارتجالي، يتم فعلاً بعقليةٍ مأزومةٍ، هي أقرب ما تكون إلى عقلية سجينٍ لا يرى العالم إلا من كوّة الزنزانة الضيقة.
ولعل القبول بممر مائي يربط غزة برصيفٍ في قبرص، وبمطارٍ في سيناء، أو أي مكان آخر خارج القطاع المحاصر، والتعويل على فرضيةٍ سقيمة، مفادها أن إسرائيل ستقتطع، من جانب واحد، حصة كافية من حصيلة أموال المقاصّة لصالح إدارة غزة، وفق ما أعلن عنه القيادي في “حماس”، محمود الزهار، حين ارتفعت أسهم التهدئة، وبشّر به رئيس المكتب السياسي للحركة، الشيخ إسماعيل هنية، في خطبة صلاة العيد، من دون الانتباه إلى خبث الدوافع الإسرائيلية الكامنة، ولا إلى الثمن السياسي الباهظ لمثل هذه “النخوة” غير المعهودة مطلقاً لدى الذئاب المتوحشّة، نقول لعل ذلك كله كان يقدّم الدليل القاطع على نية القبول تماماً بفكرة تحسين ظروف السجين، لا فكّ أسره، وإدامة الحصار الجائر إلى أن يقضي الله أمرأ كان مفعولاً، وهو ما يعني، من دون مراء، إيجاد كينونة غزيّة ذات عصبية منفصلة، تقوّض المشروع الوطني الفلسطيني من أساسه، وتقدّم خدمة مجانية لمخطط إسرائيل الهادف إلى الاستفراد بالضفة الغربية، وتهويدها كلياً، فيما تعتبر غزة لدى الجميع رافعة النضال الفلسطيني الكبرى وجذوته الدائمة.
على أي حال، من غير المحتمل أن تصنع إسرائيل معروفا لصالح قطاع غزة الذي تمنّى اسحق رابين، في زمن الانتفاضة الأولى، غَرَقه في البحر، ولا عمل ما تشتهيه سفينة المحاصرين 

“من غير المحتمل أن تصنع إسرائيل معروفا لصالح قطاع غزة الذي تمنّى اسحق رابين، في زمن الانتفاضة الأولى، غَرَقه في البحر”

العالقين في برزخ غزة، خصوصاً مع بقاء السلاح والأنفاق، سوى تخفيف الحصار على قاعدة “تهدئة مقابل تهدئة”، وذلك من دون أن تطلب حكومة نتنياهو المقابل ضعفين وأكثر لقاء أي “تنازل”، مع أن مصلحتها الإستراتيجية الدائمة هي توقيع اتفاقيات هدنة مع الجوار كله، فضلاً عن الإبقاء على حالة الانقسام الفلسطيني، دجاجة تبيض الذهب في حِجرها منذ اثنتي عشرة سنة. ومن غير المحتمل أيضا أن تتورّط مصر في المقابل، وهي تعمل على التهدئة بتعثّر لا تخطئه العين، في أي ترتيبٍ مستقبلي، من شأنه أن يلقي القطاع الغاصّ بالبأس والبؤس في أحضانها ذات يوم، بما في ذلك إقامة مطار جوي أو رصيف بحري في العريش مثلاً، ناهيك عن إقامة منطقة اقتصادية حدودية مشتركة. وفي موازاة ذلك، سوف تشتد شروط حركة فتح والسلطة، على الأرجح، وقد تتوعّد بمزيد من الإجراءات العقابية، كي تقبل بالعودة إلى تسلم قطاع غزة “من الباب إلى المحراب”.
غير أن من الإنصاف القول إن “حماس” لم تقل كلمتها النهائية إزاء ما يجري عرضه الآن بصورة غير رسمية، باستثناء تصريحات بعض القادة المسكونين بأفكار رغائبيةٍ مبهمة. وفي تقدير العارفين بآلية اتخاذ القرار في أطر الحركة الإسلامية، وبالتوازنات الداخلية فيها، من شبه المؤكد أن يرفض جناحها العسكري (كتائب عز الدين القسام) هذه الكعكة المسمومة، سيما وأن داعميه الإيرانيين لا تروقهم، في هذه الآونة الحرجة لهم، أي تهدئةٍ محتملة، وأكثر من ذلك، من الصعب إقناع القاعدة التنظيمية المؤدلجة بفقه المقاومة حتى تحرير فلسطين كل فلسطين، وعقيدة الجهاد إلى أن تقوم الساعة، بمثل هذه الترضيات المؤقتة. وإلى أن يصعد النقاش المكتوم داخل الحركة المؤتمنة على دماء شهدائها إلى السطح، وينجلي الموقف إلى حدّ ما، فإن من المنطقي التحفّظ على ما يشاع عن أفضليات “حماس” في هذه المرحلة، الملتبسة في واقع الأمر على جميع الأطراف المخاطبة بتقديم خيار التهدئة على خيار المصالحة، أي وضع الحصان أمام العربة. وفي هذا التخمين ما يدعو إلى التفاؤل أنه لا يصح إلا الصحيح، في نهاية مطافٍ لن يطول كثيراً.