مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

مطهر الخضمي (اليمن)

ليست الحياة كما صوروها لنا بأنها ذلك الصراع المستمر، مع من حولنا ومع أنفسنا، بل هي تلك اللحظات التي نشعر فيها بأنّ الحب يسكن نياط قلوبنا، والسلام يعيش في أنفسنا، وهي الاطمئنان الذي نتشاركه مع من هم حولنا.

لم تكن الحياة بذلك التعقيد الذي يجعلها صعبة الابتلاع، كما كنّا نعتقد، فالحرب، من دون أي مقدمات أو مغريات، ابتلعت كلّ مقوماتها، بينما كنّا نحن مشغولين بالبحث عن المعنى المنطقي للحياة.
يقول بعضهم إنّ الحياة هي المرحلة الزمنية التي تبدأ لحظة ولادتنا وتنتهي لحظة موتنا، لكن هذا المفهوم يضع الحياة مجرّد مدةٍ زمنية، ترتبط ارتباطًا وثيقا بنبض القلب وحركته، فمتى توّقف القلب عن النبض انتهت الحياة، وصار الشخص في ركبِ الأموات.
ليس هذا المفهوم خاطئا إجمالًا، لكنه ليس صحيحًا حدّ إقناعنا، فالحياة أكبر من مجرّد مدة زمنية ونبضات قلب، فكم هناك من لحظاتٍ يعيشها المرءُ تعادل فترةٍ طولها ألف عام! وكم من سنوات طوالٍ لا تستحق حتى أن نضعها في ميزان الحياة أو ندرجها تحت مفهوم العيش.
الحياة فلسفة عميقة لا تقبل تعليقها على أطراف المعاني والكلمات، أو اختصارها في سطور معدودة، ولا تقبل كذلك أن يخرج معناها حتى يغطي هوامش الصفحات، والحياة أشبه بعلم الميتافزيقا، نجهلها لكننا نؤمن بها. ولكن هذا لا يعني أننا نؤمن بكل لحظاتها إيمانًا مطلقًا، بل نؤمن بلحظاتٍ تجسِّد المعنى الحقيقي للحياة، وفقًا لما نعيشه ونلامسه بعقولنا وأرواحنا، وتلاحظه أعيننا، فمنذ متى كانت اللحظات التي نفقد فيها أناسًا أحبّاء؛ تندرج تحت مسمّى الحياة؟ وكيف نمنح هذه الحرب التي سلبتنا نبضاتنا وأنفاسنا معنى الحياة؟
هذه ليست الحياة التي لا بد أن نعرفها ونعرّفها كما يجب، بل هي مجرّد جحيم تجريبي، تتطلب خريطته البرامجية مزيدا من العنف والمشاهد الدموية التي لا تمتُّ صلة بالمعنى الطبيعي للحياة.
تعددّت أقوال الحكماء والفلاسفة عن الحياة، وذلك بناء على تجاربهم المسبقة فيها، فتجاربهم وضحت لنا معنى الحياة بصورة هم عاشوها ورسموا تفاصيلها وليس نحن، فقد قال أحدهم: “الحياة حلمٌ يوقظنا منهُ الموت”، وهذا يعني أنه كان يعيش حياة ارستوقراطية رغدة، ويعبّر عن آرائه بحرية مطلقة، وبما يملك من وسائل تعبير متاحة، دون أن يختفي بعد يومين في ظروفٍ غامضة، فالحياة فتحت له ذراعيها بكل ما فيها من سعادة ونادت به “هيتَ لك” فهو لا يظل يبحث عن قوت يومه كما نفعل نحن، ولا تصفعه المآتم مرات متتابعة، فهي بالنسبة لنا “موتٌ يوقظنا منه حلم” ولنا في ما قاله الشاعر، عيسى جرابا، نصيب أوفر:
تموجُ الحياةُ بنا لم نزل
نجدّفُ ما أبعد الضفتينِ !
بدأنا الرحيلَ على زورقٍ
ونخشى الوصول على زورقينِ
والحقيقة أنّ مجادفنا تكسّرت منذ زمن بعيد، وأنه لم يعد لنا بحر يحتوينا، ولا زورق يحملنا إلى شاطئ الحياة الحقيقية الذي نريدها ونسعى إليها، وما نعيشه اليوم ليس إلا مفردة بسيطة من مفردات الحياة الكاملة التي تحتوي على كل ما يلامس أرواحنا، ويقنع عقولنا، ويمحو من أفكارنا المعنى القبيح للحياة الذي رسمته الحروب والصراعات.
ليست الحياة كما صوروها لنا بأنها ذلك الصراع المستمر، مع من حولنا ومع أنفسنا، بل هي تلك اللحظات التي نشعر فيها بأنّ الحب يسكن نياط قلوبنا، والسلام يعيش في أنفسنا، وهي الاطمئنان الذي نتشاركه مع من هم حولنا من خلال ابتسامات عابرة وصادقة.

إعجاب تحميل...