ما كان لنا في “” أن نصل إلى المكانة المتقدّمة، لو لم نعمل وفق قواعد مهنية صارمة، لتحقيق الأهداف التي وضعناها أمامنا. وفي كل عام، في مثل هذا الوقت، نقوم بعملية مراجعةٍ لمدى الوفاء بالثوابت التي عملنا بهديها.

نحتفل في “” اليوم، الثاني من سبتمبر/ أيلول، بإضاءة شمعةٍ بمناسبة صدور الصحيفة الورقية التي تدخل هذه السنة عامها الخامس. ونحن نبلغ هذه العتبة يتملّكنا شعور بالفخر، بفضل هذا الإنجاز الذي أخذ مكانا متقدّما، وحاز الاعتراف بجدارة، وبات له جمهوره الخاص، خلال وقت قياسي. وما كان لنا أن نصل إلى هذه المكانة المتقدّمة، لو لم نعمل وفق قواعد مهنية صارمة، من أجل تحقيق الأهداف التي وضعناها أمامنا. وفي كل عام، في مثل هذا الوقت، نقوم بعملية مراجعةٍ لمدى الوفاء بالثوابت التي عملنا بهديها، وأوّلها المهنيّة، ووضوح الخط السياسي، والأهداف التي وضعتها “” لنفسها في الموقع الإلكتروني والصحيفة، وفي مقدمتها أن الحرية هي أول الكلام الذي يعني القارئ العربي، وهو يبحث في هذا الزمان الضيّق عن وسيلة إعلام تقف في وجه الثورة المضادّة.
اعتبرنا في “” القارئ شريكنا في هذه التجربة. ولذلك اتبعنا طرقا مختلفة في العمل عن كل الصحافة العربية، الرسمية وغير الرسمية. وبكل تواضع أقول إننا وضعنا من بين أهدافنا أن نشكل مدرسة جديدة في الشكل والمضمون، واعتبرنا أن الأمرين يعنيان القارئ العربي الذي كان قد وصل، في لحظة صدورنا، إلى حالةٍ من العزوف عن الصحف العربية التي تصدر بعيدا عن أرض العرب، بسبب تراجع رصيدها المهني والأخلاقي.
في لحظة صدور “”، كانت الصحف العربية الصادرة في الخارج قد وصلت إلى السقف، واستنزفت الرصيد الذي كوّنته، ولم تعد قادرةً على تقديم الجديد، ولا مجاراة التطوّر في عالم المهنة الذي مشى بسرعة خلال العقد الأخير على نحو قائم على المنافسة الحادّة، ولم يعد هناك مكان لمن هو غير قادر على الصعود نحو القمم الجديدة، وارتياد آفاقٍ أرحب، وفضاءاتٍ أوسع، وأكثر غنى وتنوّعا.
العيب الرئيسي في الميديا العربية هو عدم إيمانها الفعلي بالحرية، وتفضح ذلك تبعيّتها لأجنداتٍ سياسيةٍ مباشرة، وعدم التزام الموضوعية واحترام القارئ. ولذلك حين ظهر من ينافسها تبيّن الفارق بسرعة، وهذا ما أفسح أمامنا في “” أن نرى المشهد من مختلف زواياه.
ظهرت أهمية “” أكثر فأكثر، حين أفسحت المجال لجيل جديد من الصحافيين، وأعطت فرصةً مهنيةً لكثيرين من الشباب العرب الذين كانوا يطمحون لمزاولة مهنة الصحافة، في ظل احتكار من مؤسّسات صحافية، كانت تضع معايير وضوابط تمييزية للمهنة، منذ بدايات صدور الصحف العربية في الخارج، في أواخر السبعينيات. وينسحب هذا الأمر على الكتاب المستقلين، أو الذين يمثلون الرأي الآخر. كان هؤلاء يعانون من القمع، في ظل غلبة وجهة نظر واحدة، تعبّر عن رأي المؤسسات الرسمية وتوجهها في السياسة والثقافة، وحتى في الرياضة.
ظهرت أهمية الاختلاف الصحي، وتعدّدية المنابر الإعلامية، حين حصلت عملية حصار قطر، في الخامس من يونيو/حزيران 2017، وليس مصادفةً أنها بدأت بعملية قرصنة لوكالة الأنباء القطرية، ليلة الثالث والعشرين من مايو/أيار. وكان إغلاق “” أحد مطالب دول الحصار.
كان علينا أن نلتزم الصدق والموضوعية، ونحترم القارئ والأهداف التي سرنا على طريقها، حتى تسقط وسائل الإعلام التي أخذت على عاتقها ترويج حصار قطر جغرافياً واقتصادياً وسياسياً، وبالتالي دفعت بعض الصحف الثمن، حتى إن بعضها توقّف عن الصدور ورقياً، محاولاً تبرير ذلك بأسباب مالية، ويدرك العالم أن هذا تعليلٌ ضعيف، فالإفلاس الفعلي هو خيانة أخلاق المهنة، وخسارة ثقة القارئ.
تحتفل “” بإضاءة الشمعة الخامسة، وهي تدرك أن التحدّيات التي تفرضها علينا قواعد المهنة، في كل يوم، كبيرة، لكن الرهان الأساسي هو احترام التعاقد بيننا وبين جمهورنا الذي نعتزّ به من المحيط إلى الخليج.