تحتفظ ذاكرة التونسيين بعشرات الجرائم التي راح ضحيتها أطفال من الجنسين، وعادة ما تقترن فيها جريمة الاعتصاب مع القتل. وكان آخر حكم بالإعدام نفذتة السلطات التونسية يعود إلى سنة 1991 في كهل تونسي، سمّته وسائل الإعلام آنذاك سفّاح الأطفال.

تعالت أخيرا في تونس دعواتٌ إلى إعدام مقترفي جريمة اغتصاب فتاة لم يتجاوز عمرها 15 سنة، وتوفيت جدتها بعد تعرّضها للعنف الشديد، فيما والدتها نزيلة في مستشفى. وقد جرى الحادث في أحد أرياف محافظات الشمال الغربي، في قرية نائية موغلة في التهميش والإقصاء.
على خلاف كل التصوّرات المسبقة، تهاوى الاعتقاد بطهورية الأرياف، ولم تعد هذه القرى محمياتٍ للفضيلة والمحافظة، بل شملها العنف الذي ضربت موجاتُه كل أرجاء البلاد مند عقود طويلة، غير أن حرية الإعلام التي جادت بها الثورة، وحق الناس في التعليق على المعلومات، وتداولها في المواقع الاجتماعية، علاوة على صوت الجمعيات، ساهمت هذه كلها في تشكّل الرأي العام بشأن هذه الحوادث المتفرقة.
وليست هذه المرة الأولى التي عرفت فيها تونس مثل هذه الجرائم، فقد تم اغتصاب عشرات الأطفال، ذكورا وإناثا، منها اغتصاب عسكري طفلا لم يتجاوز عمره ست سنوات وقتله، قبل عام. وتحتفظ ذاكرة التونسيين بعشرات الجرائم التي راح ضحيتها أطفال من الجنسين، وعادة ما تقترن فيها جريمة الاعتصاب مع القتل. وكان آخر حكم بالإعدام نفذتة السلطات التونسية يعود إلى سنة 1991 في كهل تونسي، سمّته وسائل الإعلام آنذاك سفّاح الأطفال. وقد جعلت ردود الفعل التي تعالت أخيرا نخبا محسوبة على الحداثيين، ومنهم الجامعية الألفة يوسف وغيرها، تطالب بإعادة تفعيل عقوبة الإعدام، والتي تم تعليق تنفيذها منذ أواسط التسعينيات تحت ضغط منظمات غير حكومية وجمعيات تونسية، عديدة، خصوصا وأن بعض الإعدامات طاولت سياسيين.
هل يعكس ذلك نكوصا في النخب الحداثية، وانحرافا في الرأي العام هذا باتجاه اليمين، بعد ثورةٍ يفترض أن تعزّز حقوق الإنسان، خصوصا وأن الدستور التونسي قد نصّ صراحة على حرمة الجسد، وعلى الحق في الحياة؟ ويذكر أن أوساطا فكرية وسياسية عديدة تطالب بإعادة تتفيذ عقوبة الإعدام على الإرهابيين، باعتبار أن ما ارتكبوه من جرائم فظيعة تستوجب تسليط أشد العقوبات عليهم، وهي الإعدام، فهؤلاء لا يستحقون الحياة، وهم لا يؤمنون بها، بل يعتبرون موتهم شهادة، وهناك من طالب، تندّرا، بعدم حرمانهم من الجنة والشهادة بالتعجيل بإعدامهم. وإلى هذه الحجج، يستند هؤلاء أيضا إلى مطالبتهم بتطبيق القانون، فلا شيء يمنع قانونيا من تطبيقه، وأن الدستور، وإنْ ضيّق على عقوبة الإعدام، إلا أنه لم يمنعها صراحة.
استغلّ هؤلاء سخط الرأي العام على الجرائم الإرهابية المرتكبة، لتعبئة أجزاء منه ظلت 
“ما زال الحرمان الجنسي يضرب بروليتاريا عاطفية واسعة، في ظل عزوف عن الزواج، بسبب غلاء المعيشة، وارتفاع تكاليف الزواج”

محتارة، وغير قادرة على بناء حكم تجاه قضية الإعدام. تم توظيف النضال من أجل الحق في الحياة، وهو الحق الذي يشمل الإرهابيين، ضد النشطاء الحقوقيين، ومنظومة حقوق الإنسان عامة، حتى أصبح هؤلاء متهمين بمساندة الإرهاب، فيجدون أنفسهم في حرج مواصلة الدفاع عن احترام حقوقٍ في شموليتها وكونيتها، وأصبح التونسيون متبرّمين من حقوق الإنسان هذه، متندّرين بالمدافعين عنها، بل وصبّوا، في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، جام غضبهم على هذه المنظومة، مستغلين حالة الهلع والخوف التي أصابت فئات واسعة من للشعب التونسي، وجملة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تضرب البلاد منذ سقوط نظام بن علي. تغذّى هذا التيار، وانتدب أفرادا وجماعات أخرى من فظاعة عمليات الاغتصاب التي جدّت في السنوات الأخيرة.
خارج الأطروحة الجندرية التي لا تقرأ الاغتصاب إلا باستحضار مقولة إن النساء ضحايا، فإن ما يحدث في تونس بعد الثورة لا يقل أهمية عن أسئلة دوركهايم بعيْد الثورة الفرنسية، حين اهتم بمعرفة أسباب الانتحار.
ثمّة جملةٌ من الاعتبارات في هذا الخصوص، منها أن تأنيث الفضاء العام الذي تشهده تونس، دول عربية أخرى، لم يواكبه تأنيث العقلية الذكورية التي انتشرت وتمترست داخل مؤسسات وطنية. يعتقد الرجال أن النساء اقتحمن مجالهم، وأنه لا سبيل لمزيد من التنازل عن هذه الفضاءات للمرأة، فهي فريسةٌ تستحق أن تعاقب، حسب هذه الأطروحة المرضية، ويدافع هؤلاء عن فضاءاتهم بوحشية الوحوش التي تجعل النساء طرائد صيد، تحرشا أو اغتصابا. وعلينا أن نعترف بأن مجتمعاتِنا لم تُنشئ الأطفال على حدٍّ أدنى من اعتبار الجسد عند النضج الفكري والعقلي خام الحرية الفردية، ومجال تجسّدها، فبعد أكثر من ستة عقود على إصدار مجلة الأحوال الشخصية الرائدة عربيا، ما زال الحرمان الجنسي يضرب بروليتاريا عاطفية واسعة، في ظل عزوف عن الزواج، بسبب غلاء المعيشة، وارتفاع تكاليف الزواج.