قد نَتساءل لم يَؤول الحال ببعض الآباء والأمهات أنْ تأويهم بيوت المُسنين؟ وَنتساءل لم يتطاول بعض الأبناء على آبائهم وأمهاتهم لفظًا وفعلًا؟! وأحيانًا قد نرى بعض تصرفات الأبناء تجري على مرأى الآباء والأمهات، كـتدخين الأبناء أمامهم، عدم الالتزام بالأخلاق، وإطلاق الشتائم، الملابس غير اللائقة، قصة الشّعر الغريبة، كَثيرة هي المظاهر التي نزعت هذه الجيل من دينه وأخلاقيات مُجتمعه، وفي ظل هذه التّصرفات نتساءل أين دور الوالدين؟! لم يتمزق المجتمع وتنحدر الأخلاقيات؟!، لم لا نقف أمام أنفسنا وقفة مسؤولة، لنضع أيدينا على مصدر هذا الجرح النازف؟!

فنحن اليوم نُعاني من أزمة تربية، رُبما هي أزمة في كُل مناحي حياتنا، من السياسة للتعليم للصحة وصولا للتربية، وَلربما كانت التربية سُلم أولويات تَصعد على درجاته الأولويات الأخرى، ولا تَستقيم المناحي كُلها إلا باستقامة التّربية، وما دامت التربية غير قويمة أو مَسؤولة ظل المُجتمع يتأرجح بين التقليد الأعمى والفوضى،ولا ضوابط أو قوانين تَحكمه، وكُل ما لا يَحكمه القانون ويُترك لشريعة الغاب يُولد الفوضى والضياع والعَبث، ولذا فالتربية التي لا تستقي قوانينها من منهج واضح المعالم تفقد مصداقيتها، ونحن مُذ حدنا عن منهاج ربنا أضعنا الكثير، وكانت تربية النّشء إحدى المتضررات من هذا الابتعاد، إذ يُعد قرآننا العظيم أحد أهم مصادر التربية التي يُمكن أنْ يستقي منها الآباء والأمهات منهاج حياتهم وَمن ثم قد نلجأ لموروث السّلف الصّالح، ومن بعدها بعض الدراسات الاجتماعية، لنشكّل أسلوبًا مُتكاملًا للتعامل مع أبنائنا من غير إفراط أو مُبالغة، مكونين بذلك توازنًا يأخذ بأيديهم لحياة قويمة.

ولأنّ التربية من أهم مقومات المُجتمع، فنجدها سَبقت التّعليم، إذ نقول التربية والتّعليم، وما ذاك إلا لأنّ القائمين على التّعليم أدركوا أن لا تعليم بلا تربية،وأنّ المُعلم هو المربي الثاني بعد الوالدين، وما هذا وذاك إلا لتكتمل عملية التربية، ونجد أنّ الجميع يُمسكون بخيوط هذا المنهاج لتحقيق الهدف الأكبر وهو مجتمع راق يقوم على الأخلاق ويرتكز على العلم، فهما ركيزتان ضروريتان لنهوض الأمة، العلم والتربية.

ولأهمية التربية ورد كثير من الآيات والأحاديث وأشعار العرب وكلامهم، يُبين مدى اهتمام العرب على مر العصور بتربية أبنائهم، وازداد هذا الاهتمام مُذ جاء الإسلام، فنجد القرآن يُوجه الآباء لتربية أبنائهم التربية التي تُنجيهم من عذاب النّار حيث يقول (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ)، رٍبما لم تحمل الآية التفصيلات الكثيرة ولم تكن تدل على التربية الدلالة المُباشرة، لكن يكفي المربي أنْ يُدرك حجم الأمانة التي بين يديه،وَيعلم أنّه المَسؤول الأول عن هذه الأسرة، والمحاسب أمام الله إنْ قصّر أو توانى في تربيتهم، فحين تستوقفه القاعدة القرآنية المُتجلية في هذه الآية،يعرف أنّه مُلزمٌ بدعوة أهله وإرشادهم وتربيتهم التربية القويمة التي تُنجيهم من عذاب النّار، وهذه قاعدة حياتية عامة تنضوي تحتها قواعد صغيرة متناثرة دنيوية وأخلاقية لتصل بك لهذه القاعدة الأم وهي النجاة من النّار والفوز بالجنة، وإذا أردنا استعراض قرآننا، سنجد الكثير من الآيات، فعلى سبيل المثال لا الحصر، هناك أيضًا هذه الآية (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان)، دلالة أيضًا على أنّ الأبناء مقلدون لما يفعله الأهل.

وفي الحديث الشّريف (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)، وفيه أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(أدبوا أولادكم على ثلاثة خصال: حب نبيكم، وحب آل بيته، وتلاوة القرآن).

وفي التراث الإسلامي، نجد مثلًا قصة مؤدب ولدي الرّشيد، حيث أولى الرّشيد اهتمامًا كبيرًا لتربية أبنائه، وقصة أم الشّافعي التي قصرت حياتها على تعليم ولدها وتأديبه، بل ورد عنها أنّه عندما عاد إليها بعد الانتهاء من علومه، طارقًا الباب قالت من هناك؟! قال: محمد بن إدريس الشافعي، قالت: بماذا جئت؟ قال: بالعلم والأدب، فقالت أنت ليس الشافعي، ورفض أنْ تفتح له الباب فتحير وعاد لأستاذه مالك فأخبره ما كان، وعلّمه ماذا يصنع، وحين عاد مرة ثانية وطرق الباب، قالت: من؟ قال: الشافعي، قالت: بماذا جئت؟، قال: بالأدب والعلم، حينها فتحت له وقالت أنت الآن الشافعي، وهذا من باب تفضيل الأدب على العلم.

وفي الشْعر العربي ورد الكثير، على سبيل المثال قول الشّاعر المشهور:

  • ليس الجمال بأثواب تزيننا .. إن الجمال جمال العلم والأدب
  • وقول آخر: الأمُ مدرسةٌ إذا أعددتها .. أعدت شعبًا طيب الأعراق

 والشّواهد كثيرة على الاهتمام بالتربية والعلم، اهتمامًا واحدًا لا تفريق بينهما، والمقال هُناك لا يستعرض طُرق التربية، ولا يخوض فيها، وإنّما هو مُجرد تتبع بسيط لمدى اهمتام أمتنا بتربية الأبناء، وإذا أردنا الخوض والحديث أكثر، يمكننا كتابة مُجلدات حول تلك الظّواهر والشّواهد، ومن أراد التّبحر في ذلك يمكنه أن يقف علي آي القرآن وقفة جادة ويتعرف أهم قواعده القرآنية، أو الخوض في كتب السّير والسّلف ويُقارن بين حال أبنائنا اليوم وحالهم أيام الرسول وما تبعه من الخلافات والدّول، فالمغزى من العَرض هو أن نرد أنفسنا وأهلينا لكتاب الله متدبرين ما جاء فيه، مُعرجين على قصص سبقت ترقى بتربيتنا، وتُعيدها لجادة الصّواب.