حفل الأسبوعان الماضيان بأخبار التحرش. يقول البعض إنها الأعياد وينسون أن هذا هو سلو بلدنا المتحرش بطبعه سواء كنا نحتفل بالمناسبات الدينية أو الوطنية. التحرش أصبح هواية على المستوى القومي ولا تكاد توجد امرأة مصرية لم تنج منه طبقا لإحصاءات تقترب بنسبة نجاحنا إلى المئة في المئة، دون حساب المستوى الرفيع.

بغرض التوثيق فحسب، نذكر بما حدث عندما ذُبح رجل أمام المصطافين على شاطيء البحر عقابا له على تصديه لمتحرش بزوجته التي وصفت بأنها محجبة خمسينية. التذكير هنا ليس بالحادث ولكن بأن كثيرا من المعلقين على أخبار الحادث سبوا الرجل ووصفوه بأنه "ديوث" وتساءلوا "إيه اللي وداكم هناك"، مستنكرين أن يأخذ رجل زوجته للجلوس على الشاطي أمام "اللي يسوى واللي ما يسواش".

هناك أيضا قصة جهاد وروزانا التي تستحق التوقف أمامها لأن حولها روايتين. بالطبع لا نستطيع القطع بصحة أيهما لأننا لم نحضر الحادث. رواية الفتاتين تقول إن اثنين من الشباب تحرشا بهما لفظا وعندما اعترضتا نالهما من السب والضرب والأذى الكثير، فقررتا تسجيل الواقعة في محضر. انتهى بهما الأمر بقضاء ليلة في قسم الشرطة يقال إنهما تعرضتا فيها لمزيد من الأذى. قال لهما الضابط الذي كتب المحضر "تحرش إيه إنتو شفتوا تحرش؟"، فيما يبدوا كما لو كان خلطا بين التحرش والانتهاك الجنسي. (لو صحت الرواية سيحتاج الضابط وزملاؤه لمزيد من التأهيل لفهم الفرق ولمعرفة مستويات التحرش). الفتاتان مصابتان بكدمات وإحداهما تعاني من تمزق في أربطة القدم. هذا خلافا لتسريب رقم هاتفيهما للمتهمين بالتحرش واقاربهم الذين تقولان إنهما دائمي الاتصال والتهديد. هذه رواية. أما الأخرى فتقول إن روزانا وجهاد اعتديتا بالضرب والسب على الشابين. سياق هذه الادعاء وقصته لا تتمتع بوضوح كافي والأمر متروك لتقدير القضاء من أجل معرفة أي القصتين أقرب للتصديق وربنا عرفوه بالعقل.

طبقا لمركز نظرة الذي يحاول التصدي لكافة أشكال العنف ضد المرأة، والذي تصدت له الحكومة مشكورة بكافة أشكال التضييق، فإن ضابط الشرطة أو المسؤول عن كتابة المحضر يقوم في بعض حالات الإبلاغ عن التحرش بإرسال الجاني والمجني عليها إلى مكان الاحتجاز في قسم الشرطة لحين عرضهما على النيابة للبت في صحة الواقعة. في عام 2015 ورد بلاغ إلى المنظمة بخصوص تعرض فتاة قاصر لاعتداء جنسي في الشارع ومحاولة اختطاف، وعندما ذهبت لتحرير محضر في قسم الشرطة رُفضَ تحريره بل واحتجزت في القسم وتم ضربها والتنكيل بها، وقد فقد المركز التواصل مع الناجية بعد ذلك ولم تستكمل الإجراءات. وفقدنا نحن المركز لأن الحكومة أغلقته لتحمي المتحرشين من شروره.

آخر وقفة في هذا العرض العاجل والمبتسر لموسم الأعياد/ التحرش هو قصة شاب "أونساران". حيث التقطت فتاة مقطع فيديو لشاب قالت إنه تحرش بها لفظا وعندما بدأت التسجيل كان يعرض عليها "بلزاجة" أن يشرب معها القهوة في "أونساران". الحادث معروف لكن الأهم منه كان حوار الأسلامجية الذين وجدوا فيه يما تصوروا أنه تناقض جوهري عند "العلمانيين" عبروا عنه بالسؤال التالي (بعد تنظيف الصياغة): ما فعله الشاب مرفوض لأي شخص لديه مرجعية إسلامية ولكن ما وجه اعتراض العلمانيين؟ العلاقات عندهم بالتراضي وبالتالي لا ينبغي أن تكون لديهم مشكلة في أن يعرض أي شاب على أي فتاة شرب القهوة (أو حتى الجنس) ولها أن ترضى أو تقبل. أليس هذا هو منطقكم في غياب أي مرجعية؟!

السؤال في رأيي ذو دلالة ويبدو كما لو كان امتدادا لمنطق الإحراج المتضمن في استخدام عبارات "أترضاها لأختك" أو "أترضاها لأمك" في أي سياق حواري لابتزاز الموافقة.
وهو في حد ذاته دليل على النجاح الباهر في تدريب الأذهان على مدى دهر بعيد، على الاعتماد على منطق "المرجعية والدليل الشرعي" بما يفقد الإنسان القدرة على استيعاب أو إدراك أو فهم معنى ما هو إنساني أو ما هو مقبول بعيدا عن أي "عكاز". هو فقط يبحث عن "مرجعية" أو "دليل شرعي" أو تلفيق لمعنى آية من القرآن الكريم، أو حديث منسوب للرسول (ص)، أو قصة مروية عن الصحابة. مثل هذا المتسائل لا تأنف نفسه مما أقام عليه بعض المشايخ الدليل الشرعي من جواز "وطء" الطفلة بصرف النظر عن سنها طالما تطيق، لضرورة تأديب المرأة بالضرب لو امتنعت عن الفراش، ولك أن تزيد عليها حرق الأسرى أو سمل العيون أو حرق البشر أحياء. كلها أقيم عليها "دليل شرعي" من هنا أو هناك وكلها لا تقلق مثله كثيرا.

الإجابة على السؤال في كلمة واحدة هي: السياق.
التراضي على أي عمل لابد أن يكون له سياق ما: تعارف سابق قام به أصدقاء من قبل، تعامل في سياق عمل أو نشاط رياضي، أو على أقل تقدير تبادل نظرات ينم على اهتمام ما بين طرفين.
أما أن تعرض على شخص شرب القهوة بدون مناسبة، أو سابق معرفة، وفي سياق تحرش واضح فهو بالطبع مرفوض بصرف النظر عن "المرجعية" أو عن غياب أو وجود "الدليل الشرعي".
إن لم تصدقني جرب هذا العرض الكريم لشرب القهوة في "أونساران" بدون أي مناسبة. جربه مع رجل لا تعرفه يقف وحده في الشارع وليس مع فتاة وستعرف ساعتها أن الموضوع مش "عادي يا جماعة".