في رحلة البحث التي بدأت خوضها قبل سنوات اكتشفت أننا نؤمن بأشياء نعتبرها مسلمات، لكنها في واقع الأمر ليست سوى تخمينات قام بها أفراد قد يصيبون وقد يخطئون آو أمور مختلف فيها، ولعل الرجم كان أحد هذه الأمور.

نعم حد الرجم في الإسلام على الزاني المحصن (المتزوج) رجلًا كان أو امرأة إو الذي سبق له الزواج والدخول، وذلك بعد ثبوت الزنا، ويثبت الزنا بالإقرار (الاعتراف) أو البينة، وهي شهادة أربعة رجال عدول يشهدون حدوث الزنا بإدخال آلة الذكر في فرج المرأة، والغريب أن الكثير من الفقهاء أقروا بالعقوبة والبقية التي أنكرت هذا سميت غالبًا بالمعتزلة، لكن كيف! ولماذا توجد عقوبة كهذه، رمي بالحجارة حتى الموت.

عقوبة كهذه تجعلني أتساءل: لماذا؟ ما الغاية من عقوبة قاسية كهاته؟ دائمًا ستجد إجابة جاهزة عند غالبية رجال الدين مفادها أن الزنى من الكبائر، وأن فيه مفاسد عظمى وخرابًا في النسل، لكن انتظر فهناك آثام اخرى تُعتبر من الكبائر أيضًا، لكن باب التوبة فيها مفتوح، فالمرتد إذا رجع عن ردته خلي سبيله، والقاتل إذا غَفَر له أهل المقتول لا يقام عليه الحد.

الغريب أن العقوبة متفق عليها بين العامة ويكاد يُكَفَرُ كل من لا يؤمن بها رغم أنه لا توجد أي آية في القرآن تتحدت عن الرجم، كيف بعقوبة كبيرة كهذه لا تذكر القرآن؟ بل إن عقوبات أيسر منها ذكرت. لقد حرم الله قتل النفس إلا بالحق، وفرض شروطًا صارمة للخوض في هذا الأمر، وهذا إن ذل فإنه يدل عن قيمتها عند الله، فكيف من الممكن لتشريع يبيح قتلها أن لا يذكر في القرآن، بل حتى الآية التي تتحدث عن الجَلد كعقوبة للزاني غير المتزوج تشير إلى أن عقوبة الجَلد قاسية: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ.

 لا تأخدكم بهما رأفة تشير إلى أننا قد نضعف لشدة عقوبة الجلد فكيف بعقوبة كالرجم! ومن ثم فإن الدليل المستخدم على ثبوت حد الرجم هو الأحاديث النبوية كحديث عبادة «عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد 100 ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد 100 والرجم».

وحديث عمر عن عبد الله بن عباس عن عمر بن الخطاب، أنه قال: «إن الله بعث محمدًا بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله: «آية الرجم» فقرأناها وعقلناها ووعيناها، رجم رسول الله، ورجمنا بعده»، بغض النظر عن أن أصل التشريع هو القرآن، لكن الغريب هو آية الرجم التي تحدت عنها عمر «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة…» حيث قال إنها رُفعت من القرآن لكن حكمها باق، وهذا وحده يجعلك تتساءل عن صحة هذا الحديث، لماذا هاته الآية رفعت لكن حكمها باق؟ ولماذا ترفع أصلًا فهذا مناف لوحدة القرآن، حتى اصطلاحها غير بليغ كباقي آيات القرآن، أما قضية أن الرسول صلى الله عليه وسلم رجم، فرغم أن الامر مستبعد إلا أنه لو كان صحيحًا فإنه من الراجح أن الأمر وقع قبل نزول سورة النور، أي انه لم تكن تشريعات في الإسلام بخصوص الزنا، فكان يُلجأ إلى الثوراة حيث كان الرجم هو الجزاء، لكن قدوم سورة النور التي وضعت أحكام الزنا نسخ ما في الأحاديث، أي أنها لم تعد صالحة في التشريع بعد نزول السورة.

ربما لن تصدق أن هناك آيات في القرآن تشير إلى العكس، تشير لعدم وجود الرجم في الإسلام، وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ۚ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم ۚ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ۚ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ۚ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ ۚ وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ”، يقصد هنا أنه إذا تَزوَجتَ بأمة (جارية) مؤمنة وأتت الفاحشة، أي زنت فإن لها نصف عذاب المرأة الحرة (ذكرت الآية مصطلح العذاب، وليس الموت) ، إذًا فجزاء الزانية الحرة المتزوجة العذاب، وليس الموت.

ولعل الآية التالية من سورة النور توضح لك الأمر، وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ. تتحدت الآية هنا عن زوج يتهم زوجته بالزنا ويشهد أنها قامت بالفاحشة لكن من جهة أخرى الزوجة تنفي اتهام زوجها، هنا ستجد الآية تقول: وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ.

لو كان الرجم حتى الموت هو العقاب فليس من المنطقي أن نجد في الآية: وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ، بل الأحرى ان نجد ويدرأ عنها الموت، الموت وليس العذاب، لا تقل لي إن العذاب هو الموت، فهناك آيات كثيرة تقول بعكس هذ:ا وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ. وفي آية أخرى: لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ. إذًا فما هو العذاب المقصود؟ كلمة العذاب في الآية معرفة، إذًا نحن على دراية سابقة بمعنى الكلمة.

وهذا ما سنجده في الآيات السابقة: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (5) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ. أي أن العذاب المقصود هو 100 جلدة، وبهذا يكون حد الزاني المحصن كغير المحصن لا استناء فيه.

ربما قد تقول لي إن الصحابة قد طبقوا حد الرجم ومن المؤكد أننا لا نفقه في الدين أكثر منهم، رغم استبعادي للأمر إلا أنه علينا أن نتفق أولًا أن الصحابة الكرام ليسوا أنبياء رغم اجتهاداتهم العظيمة، كما أن الرجم قد يكون عقاب تشديد، وليس فرضًا، كما هو الحال في عقوبة الزاني غير المتزوج، فالجلد عقوبة مفروضة، لكن إبعاد الزاني عن قريته مدة سنة لم يذكر في القرآن، بل فقط في حديث عبادة وهو من باب التشديد، «عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد 100 ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد 100 والرجم.» هنا السؤال: لماذا اعتبر غالبية رجال الدين أن تهجير سنة تشديد، وليس فرضًا، لكن الرجم أقروا وصمموا على وجوبه؟

مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ. إن إحياء النفوس خير من قتلها.