ثغرات كثيرة ومطبات احتوى عليها تقرير الحريات الفردية والمساواة، في تونس، بخطابه وبتشريعاته المقترحة المختلفة، أو المتناقضة مع الإسلام، ديانة الأغلبية الساحقة من التونسيين، وليس مع تنظيمات الإسلام السياسي وأحزابه كقوى سياسية صرفة، كما يعتقد أو يستبطن كتبة التقرير ومنظّروه.

يعد يوم 1 يونيو/ حزيران 2018، تاريخ صدور تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، في تونس، في 233 صفحة، منطلق نقاش عميق وجدل واختلاف وانحياز وآخر مضاد وصراع بشأن مجموع المضامين السياسية والقانونية والدينية والأخلاقية ومسائل الأحوال الشخصية وقضايا الحرية والمساواة التي تضمنها هذا التقرير. وهو جدلٌ عاشت تونس، بنخبها ومثقفيها، على وقع جدالات ومناقشات مماثله له، إبان حكم “الترويكا” ووضع المجلس الوطني التأسيسي الدستور التونسي سنة 2014، وكان له وقع انتخابي لاحقا. وجاء إعلان رئيس الجمهورية، الباجي السبسي، عن تشكيل اللجنة التي عُهد لها بوضع التقرير، في 13 أغسطس/ آب 2017، منحازا انحيازا أيديولوجيا صارخا منذ البداية، فأغلب أعضائها يتحدرون عقديا وأيديولوجيا مما يصطلح عليه التيار الليبرالو- حداثي، ذو المرجعية الغربية الذي يتحلق حول فكرة أنسنة القرآن، والتعامل معه كمجرد نصٍّ بشري، قابل للتأويل والإضافة والنقصان، تيمنّا بما طرأ على اليهودية والمسيحية وكتابي التوراة والإنجيل.
ليس مراد هذه المقالة تعميق القول وتفصيله في هيمنة هذا الاتجاه على أعمال اللجنة ومراجعها الفكرية، إذ تكفي العودة إلى كتاب عبد المجيد الشرفي، وهو منظّر اللجنة ومهندسها الفكري وسلطتها العلمية والأيديولوجية، على الرغم من عدم رئاسته لها، وترك الأمر للفمنيست 
“ثغرات كثيرة ومطبات احتوى عليها التقرير، بخطابه وبتشريعاته المقترحة المختلفة”

(النسوية) بشرى الحاج حميدة، “الإسلام بين الرسالة والتاريخ”، لنقف على معاناة الرجل الفكرية، وبذله جهودا ضخمة من أجل ترسيخ أفكار استشراقية قديمة لدى القارئ العربي المعاصر، كانت دائما محلّ نقد مفكرين عرب جادين وراسخين في الثوابت، من قبيل أن “الوحي إذن هو مصدر علم النبي، أي تلك الحالة الاستثنائية التي يغيب فيها الوعي، وتتعطّل الملكات المكتسبة، ليبرز المخزون المدفون في أعماق اللاوعي بقوةٍ، لا يقدر النبي على دفعها، ولا تتحكّم فيها إرادته على نحو متميز ..”، أي أن الوحي مجرّد “تخميرة ونوع من الصرع”، وأن القرآن هو رسالة محمد الشفوية، أما ما تم جمعه، بعد وفاة النبي، وتدوينه بين دفتي المصحف، فلم يكن يخضع لاتفاق الصحابة وإجماعهم، وبالتالي هو نصهم القابل للاستعمال، إضافةً ونقصانا وقراءة وتأويلا، وليس نصا إلهيا، فلا حرج أن تُنزع عنه صفة المقدّس، ليستحيل نصا بشريا، ومدونة ميثولوجية، لا فائدة من تطبيق أحكامها خارج السياق التاريخي لكتابتها. لم يخرج التقرير برمته عن هذه الفلسفة العامة الدنيوية البروفانية (المدنّسة) نقيضا للنص الديني المقدّس، بمحرّماته المتعددة والكثيرة، التي يلتقي فيها أغلب أعضاء اللجنة، باستثناء صلاح الدين الجورشي الذي وجد نفسه في مأزقٍ لا يحسد عليه، لمرجعيته الإسلامو- سياسية السالفة، فيتغطّى بالتجديد والتحديث والعصرنة، ليُترجم عمليا وقانونيا إلى مجموعة من المبادرات التشريعية ومشاريع قوانين، لا شك أن بصمات أستاذ القانون، سليم اللغماني، كانت حاضرة في صياغتها، وانتقاء مصطلحاتها القانونية، واختيار فحواها وصيغها الزجرية، بما يتماشى مع الكونية العقدية والحقوقية التي لا تأخذ، في حسبانها، الخصوصيات والفروق الثقافية الكبرى للشعوب والمجتمعات، وتتناسب أيديولوجيا مع أنسنة القرآن والدين التي يشترك فيها مع منظّر اللجنة، عبد المجيد الشرفي.
كان التقرير جزوعا متوجسا من الفصل الأول من الدستور التونسي لسنة 2014، القاضي بأن تونس دولة.. الإسلام دينها، ناصّا على أن لذلك الصنف من الانتماء طبيعة حضارية صرفة، لكنه لا يمثل أي سلطة مرجعية على الدولة وقوانينها التي تسنّها بمشيئتها وإرادتها، ليضعه موضع التناقض مع الفصل الثاني الذي يعتبر تونس دولةً مدنيةً تسن التشريعات المعبرة عن الإرادة الشعبية، بما في ذلك التي تكفل المساواة. وهو أمر لافت للنظر، بأن يكون الإسلام الذي شكّل عنصر ضبط رئيسي لكل من المجتمع والفرد ومختلف أطر التنشئة في تونس، على مدى مئات السنين، محدّدا الشخصية الأساسية، والسمات العامة المميزة لكل منهما، أن يكون مجرّد عنصر حضاري هو أقرب إلى التراث أو الفولكلور، وفق تمثلات كُتّاب التقرير، ولا يُعتمد البتة في صياغة المرجعيات والقوانين ومختلف التشريعات والنصوص والبرامج والأفكار التي تنظم حياة المجتمع، في حين أنه، في مجتمعات أخرى أكثر تُقدما، تُعتمد أعراف وتقاليد بالية عتيقة مرجعيةً في صياغة الدساتير والقوانين والمنظومات التشريعية والنظم التربوية. وبدلا من الاستفادة من الإرث الكبير، الثقافي والتشريعي الذي تركه الأسلاف، ويشترك فيه مجتمعنا مع شعوب أخرى، هرعت اللجنة إلى التشريعات الدولية، واستحضرتها بمثابة النصوص المقدّسة التي لا يأتيها الباطل من أمامها أو من خلفها، والتي هي نتاج مجتمعاتٍ وثقافاتٍ معينةٍ، قبل تدويلها، وتستنجد بها مرجعية في مبادراتها التشريعية. كما أن وضع مدنية الدولة موضع التناقض مع الإسلام تفنّده الوقائع التاريخية، فالإسلام لم يؤسّس دولة دينية، وإنما أسس دولة مدنية منذ البداية، وهي دولة المدينة التي حُكمت بدستور الصحيفة الذائع الصيت، كما فصّل القول في ذلك علي عبد الرازق في كتابه “الإسلام وأصول الحكم”.
لا يجد قارئ التقرير صعوبة، ولا عناءً، في إدراك الجهد الكبير الذي بذلته اللجنة، من أجل تنقية التشريعات والقوانين التونسية من النصوص والمفاهيم والمعاني التي وضعها المشرّع التونسي في مختلف الحقب التاريخية، بالاستناد إلى آيات القرآن الكريم، أو الأحاديث النبوية الشريفة، أو باستعمال مصطلحات كالإسلام أو المسلمين، التي ظهرت بصفة صارخة ومفضوحة في الجزء الحامل عنوان رفع القيود الدينية على الحرية التعاقدية بنقاطه الأربع، وكذلك اعتبار المهر يناقض كرامة المرأة، ورفض العدة على خلفية التقدم العلمي والطبي، معتبرة أن ورود تلك المصطلحات ذات المنشأ القرآني في القانون يشكل نقيضا للدولة المدنية، وهو في الحقيقة انسجام مع خلفية أنسنة الدين التي تحتكم إليها اللجنة، وقصور في وعي أعضائها، وتقصير منهم في دراسة مفهوم الدولة في الفكر والتاريخ العربيين.
كما اعتبرت اللجنة التجاهر بالفحش والاعتداء على الأخلاق الحميدة يتنافيان مع الدستور في حماية الحياة الخاصة، مؤكّدة أن مفهوم الأخلاق الحميدة متعدّد المعاني، الأمر الذي يجعل لكل فرد أخلاقه الحميدة، ويفرغ المفهوم من محتواه الجماعي، ومن شحنته المجتمعية والتاريخية والثقافية والدينية، مقدّمة للمطالبة بإلغاء الفصل 230 من المجلة الجزائية الذي يعاقب على العلاقة الرضائية بين شخصين من الجنس نفسه، وذلك استجابة لطلب لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة، في تقريرها الدوري الثالث عن تونس، كما ينص على ذلك نص تقرير اللجنة.
يتكرّر الأمر مع التعاطي مع المشروبات الكحولية، ومنع المسلمين من استهلاك الخمرة أيام الأعياد الدينية ورمضان والجمعة، وإغلاق المقاهي في شهر رمضان، إذ يقترح التقرير حذف الشروط الدينية الواردة في مجلة الالتزامات والعقود، وما ورد في أمر 15 مايو/ أيار 1941 المتعلق بتحجير بيع الكحول للتونسيين المسلمين، وإلغاء منشوري 1986 و1989، والأمر عدد 5 لسنة 1968 المتعلق بضبط مواقيت فتح المقاهي والمحلات المماثلة لها ومحلات تجارة المشروبات الكحولية المستهلكة خارج المحلّ، كما لم يغفل كتبة التقرير عن الدعوة إلى ضرورة إلغاء المنشور المتعلق بغلق المقاهي خلال شهر رمضان.
أما نظام المواريث، كما هو معمول به في القوانين التونسية، والذي يطابق القانون الإسلامي 

“اعتبرت اللجنة أن ورود المصطلحات ذات المنشأ القرآني في القانون يشكل نقيضا للدولة المدنية”

وما ورد في الآيات القرآنية التي فصلت القول في هذه المسألة، فلم تر فيه اللجنة سوى مثال آخر على اختراق مدنية الدولة، وخرق فكرة المساواة الواردة في الدستور، داعية إلى احترام الاتفاقيات الدولية في هذا المجال. واللجنة في هذا الجانب من تقريرها تجتث نظام الإرث من بيئته، ومحيطه التاريخي والثقافي والديني الذي نشأ فيه، وتبلور على مدى مئات السنين، مخترقا تداول الدول والحكومات وقوانينها المنظمة، ليتحوّل إلى نظام مجتمع، ارتأى فيه في كليته وشموليته ورمزيته مثالا للمساواة بين النساء والرجال التي لا شك أنه سيفقدها بتجزئته، والاكتفاء بجزء منه، أو بحالة معينة كما فعلت اللجنة، ناهيك بأن القرآن الكريم لم يمنع الورثة من قسمة التركة بالتساوي، إذا هم ارتضوا لأنفسهم ذلك، لكن معارضة النساء كثيرا ما تسبق موقف الرجال للتساوي، إنها التمثلات الدينية التي استحالت أخلاق مجتمع برمته.
ثغرات كثيرة ومطبات احتوى عليها التقرير، بخطابه وبتشريعاته المقترحة المختلفة، أو المتناقضة مع الإسلام، ديانة الأغلبية الساحقة من التونسيين، وليس مع تنظيمات الإسلام السياسي وأحزابه كقوى سياسية صرفة، كما يعتقد أو يستبطن كتبة التقرير ومنظّروه، لا شك أنها بدأت تلعب دورا عكسيا في الاصطفاف السياسي والاستثمار الانتخابي المقبل، فالمعركة في جوهرها هي معركة السلطة والحكم، وإن تدثرت، في هذه المرحلة، بلبوس الحرّيات الفردية والمساواة، أما المجتمع فلا يتغيّر بمرسوم، كما يقول عالم الاجتماع الفرنسي، كروزييه، ولا يكون تحديثه قسريا، وإنما وجب أن ينبع من ديناميكية ذاتية، وليس من تدخل خارجي، وإلا فإن مآله السطحية والهشاشة والاندثار.