المكان: منزل ماكبث

الزمان: قرابة الفجر ومع بزوغ شمس يوم جديد

الحدث: قتل الملك دنكان بدم بارد وتلطخ يد ماكبث بالدماء

بكل تمكن وإثراء بدأ المخرج “Justin Kurzel” فيلمه ماكبث الصادر في 2015 إنتاج الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، برفع علم الدماء من خلال اللون الأحمر المغرق للشاشة السينمائية، تمهيدًا لجريمة محتومة الوقوع نظرًا للجشع والجحود الإنساني الذي ما يلبث أن يصيب الإنسان حتى يتحول معه إلى وحش جامح من الصعب التحكم به وبتصرفاته.

اعتمد المخرج Kurzel على قصة ماكبث المتحول والتي كتبها الكاتب الإنجليزي الأشهر ويليام شالتي تعرف كواحدة من أشهر تراجيدياته التي تحقق النظرية الأرسطية ببراعة بالغة، في تحول الشخصية من حال إلى حال، وهو ما يغير معه وجه مصيرها الإنساني الذي ينتهي في الأغلب بالموت، كما كان مصير زملاء ماكبث في الدراما الشكسبيرية، حيث عطيل وهاملت ولير.

ونظرا للمعرفة المستبقة لأغلب مرتادي السينما للخلفية التي تعتمد عليها حكاية ماكبث لا يسهب كثيرًا المخرج في سرده للأحداث، حيث ألمح إلى الحدث الذي سيبدأ منه حيث فوز الجيش بقيادة ماكبث وبانكو وفوز اسكتلندا على إيرلندا ونورماندي، من خلال افتتاحية تقليدية تسرد الأحداث على لسان رواي ما يلبث أن يتوارى خلف تمثيل مشاهد القتال وتصويرها ببراعة تتلاءم مع تمهيد أجواء لملحمة تراجيدية قيمة.

من الملفت الحقبة الزمنية التي يصور بها مخرج الفيلم، حيث يعتمد على حقبة تبدو أقدم من الفترة التي تدور بها الأحداث، إذ يعتمد على الملابس والتكوين البدائي في الديكورات والملامح، وهو ما ساعده لإظهار وحشية الإنسان والجانب الخشن في شخصية ماكبث وزوجته المحرضة الأولى لحادث السقوط التراجيدي.

كما أنه من الصعب إغفال ملامح الوجه والمكياج الذي يظهر شحابة الوجوه وما تعانيه من صراعات داخلية تنعكس بدورها على المظهر الخارجي.

ماكبث الذي امتلك كل شيء في لحظة فقدها أيضًا في لحظة مع تجلي الطمح والجشع الذي استلذه فيما بعد، وأصبح القتل هو متعته الوحيدة في الحياة، ويبرز الفيلم تلك التحولات التي يمر بها ماكبث وزوجته، وكيف حرك كل منهما الآخر نحو الوصول إلى الهاوية في النهاية.

علاقة مزدوجةماك1

العلاقة بين الليدي ماكبث وزوجها هي علاقة تكاملية بالمعنى الكامل ومزدوجة، حيث لا يمكن وجود أي منهما دون الآخر، وهو ما أوضحه السيناريو والحوار الذي كتبه الثلاثي ” Jacob Koskoff، Michael Lesslie،Todd Louiso حيث إن الليدي تجلى طموحها في الوصول لما هو ابعد من الترقية وحصول ماكبث على لقب دوق، كما أن طموح الليدي أشبع الرغبة المدفونة داخل زوجها في الوصول لما هو أبعد من هذا، ولكن لكل شيء ثمن، حيث تبادل كل منهما دور الآخر، وبعد أن كانت الليدي هي محرك ماكبث نحو القتل باتت هي الخائفة والراغبة في العدول عن تلك الخطوات والعودة إلى نقطة الصفر، ولكن من الصعب الرجوع لهذا تختار الحل الأسهل ويلجأ عقلها للجنون، لتترك ماكبث وحيدًا يواجه الصعاب ورغبته المتصاعدة في القتل والنزال حتى الموت.

رحلة الشقاء والبقاء

عديد من المعاني تتجلى في عمل ماكبث، واستطاع الكاتب “أن يوضح هذا في الفيلم رغم اعتماده على كلاسيكية شيكسبير بصورة شبة كاملة، حيث يوضح أن ماكبث رمز الحياة والموت، إذ أنه وجد في موت الآخرين سر بقائه، واعتبر موته خطـًا أحمر لا يمكن أن يخطوه أحد، ليعكس التحولات التي تمر بها الشخصية من الهادئ المخلص للمنساق من زوجته ومنها إلى الجشع الشقي الذي لا يستطيع الكف عن القتل، وصولاً إلى اللامبالاة بعد موت زوجته ورفيقته في درب الشر الليدي ماكبث، مع هذا يقاتل بكل طاقته جيش ماكدوف القادم للانتقام لقتل الملك دنكان وقتل مغتصب العرش ماكبث.

من أبرز نقاط نجاح الفيلم وربط المشاهد بكرسيه طوال مدة العرض هو المونتاج الذي برع به “Chris Dickens” وحدد معه ملامح إيقاع الفيلم المتسارع والجاذب للمشاهد، حيث الانتقال السلس بين المشاهد والذي يمهد بوقوع الفظائع، ويؤكد أيضًا أن ما خفي كان أعظم، جاذبًا المشاهد إلى المشاهد القادمة، حتى تنزل الستار على قصة ماكبث الذي يموت لأجل طموحه.

امتاز العمل أيضًا بالصورة بالغة التقنية، حيث قدم المصور “Adam Arkapaw” بعض المشاهد بتقنية التصوير البطيء، ليزيد من تمعن المشاهد وارتباطها بالقصة المقدمة، ولم يسفر في تلك التقنية فجاءت الصورة مدروسة الأبعاد والملامح، ولم يغفل أيضًا أهمية الضوء، إذ اعتمد على الألوان الباهتة والقاتمة حيث الأسود والرمادي، كما أعطى مساحة كبيرة للأحمر الذي أغرق الأحداث بالدم، وابتكر من خلال الألوان توازنـًا خاصًا منح الفيلم خصوصية في مشاهد امتازت بالشاعرية السينمائية.

كما أن سيناريو الفيلم يمنحه مخيلة مميزة إذ يقدم ملامح الطبيعة الخصبة والبكر من خلال الجبال والغابة المتسعة التي ستلعب دورًا كبيرًا في تغير مصير ماكبث فيما بعد، لاسيما مع انتقاء كادرات خاصة تمنح المشاهد خصوصية خاصة وتجدد من ملحمة شكسبير التقليدية وتمنحها ملمحًا حداثيًا مميزًا.

الموسيقى كانت سيمفونية غنية بألحان بين الشجن والرغبة في الحياة وتنفس الصعداء، التي تنتهى بقتل ماكبث في النهاية وانتهاء معنى الحياة بالنسبة له، والتي تكتب بداية جديدة لجيل من سلالة بانكو صديقه الذي قتله أيضًا للتخلص منه، وكانت الموسيقى كالحاضر الغائب، حيث قدم الموسيقى”Jed Kurzel” نفسه بصورة ذكية تبعث على التشويق، إذ استعمنا للموسيقى بحضور متناغم مع الأحداث، غير مثقل لهذا حققت حضورًا هادئًا وبالغ الأهمية تماشى مع الأحداث المتصاعدة.

رغم أن التمثيل ليس من أبرز عناصر العمل إلا أنه قدم الملحمة بطريقة جيدة، قدم من خلالها Michael Fassbender دور ماكبث ببراعة وأداء بالغ الهدوء، ينذر بالعاصفة القادمة لنهاية حياة ماكبث، إلا أن  Marion Cotillardكانت الأكثر حضورًا وتأثيرًا رغم مشاهدها القليلة بالمقارنة بمايكل فاسبندر، ولكنها برعت في تقديم دور الليدي وتجلى أداؤها كعادتها في استخدام ملكاتها كممثلة، حيث صوت الفيحاء السامة الذي بثته في أذن ماكبث ليقدم على فعلته وقتل الملك، وأداء عينها بالغ البراعة.ماك2

ولكن بالنظر إلى الفيلم بصورة عامة نجد أن الفيلم لا يعتمد على التمثيل فحسب بل هو فيلم يركز بالصورة الأكبر على تقنيات الصورة بداخلها الأداء، وهو ما يميز الفيلم بصورة عامة ويجعله عملاً متكاملاً.

إذ استطاع  المخرج “Kurzel” من خلال الفيلم تعريف نفسه للمجتمع السينمائي من جديد على أنه مخرج متمكن من عناصره التي يملكها، ويعرف كيف يدير عملاً فنيًا راقيًا، رغم اعتماده بصورة كبيرة على كلاسيكية شكسبير التي لم يخرج عن سياقها المرسوم.

خلال مشاهداتي رأيت رائعة شكسبير التراجيدية ماكبث في أعمال عدة، سواء أكانت سينما أم مسرحًا بعدد من اللغات، منها الصينية والإنجليزية والكورية واليابانية، مع هذا استطاع فيلم “ماكبث” لـ  Kurzel  أن يشكل خصوصية لدي في مكتبة المشاهدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست