أستاذ للطب الشرعي والعصبي بجامعة يافيا الإيطالية، وطبيب بالجيش، وله نظرية مشهورة في عِلم الإجرام ، هذه النظرية صنَّفت المجرمين إلى خمسة أصناف أَوْرَدَهُم جميعًا في كتابه المعروف “الإنسان المجرم” الصادر عام 1876م ميلاديًا.

كان قد تَوَصل إلى نتيجته التي أوردها في كتابِه عَبْر عِدة أبحاث تجريبية قام بها على أجساد المجرمين ، ضمت هذه الأبحاث ” 383 ” جمجمة لمجرمين، وأكدت نتائجها عند تحويلها إلى نسبة مئوية على صحة نظريته: ” أن هناك اختلافًا جسمانيًا بين المجرمين والأسوياء!

أنا هنا بصدد التحدث عن الرجل أو عن إسهاماته العظيمة في عِلم الإجرام، وهو أحد علوم القانون الجنائي، للفائدة، ما يهمنا حقًا هو تقسيم المجرمين إلى خمس فئات كانوا ثلاث في البداية، وهم:(المجرم بالفطرة، المجرم المجنون، والمجرم بالعاطفة) أضاف لهم بعد ذلك نوعين جديدين هم:(المجرم بالصدفة، والمجرم بالعادة).

“حقيقةً أود أن أنوه أن هذه التقسيمات لا أراها في علم الإجرام فقط، ولكن يمكن إسقاطها على كافة مناحي الحياة؛ فيمكننا أن نراها في العمال والأطباء مع اختلاف المعاني، ولكنها تبقى تقسيمات ثابتة، وحقيقة لا يمكن إنكارها”.

وكان مما استفحل في مجتمعاتنا الآن دينيًا:”التوجهات الفكرية” والتي على كثرتها، إلا أننا لا نرى منها أسوياء إلا بعض الفئات!

وهذا ما نحن بصدد الحديث عنه، فيمكننا ببعض التدقيق أن نرى المسلم بالفطرة، والمسلم المجنون والمسلم بالعاطفة، ونرى أيضًا المسلم بالصدفة والمسلم بالعادة!

فالمسلم بالفطرة، أو الإنسان المسلم حقيقةً، وهو أصح الخمسة أنواع وأقربهم إلى الصواب؛ فهُم من قال عنهم النبي:” … ما أنا عليه وأصحابي ” – نحسبهم كذلك – فنجده لا ينقطع عن عبادته المفروضة، ولا يتوانى في تحقيق نوافله، ومثالا حيا للمسلم صحيح الإيمان في تعاملاته وحياته العملية فنجده متفوقًا دراسيًا وإجتماعيًا وصحيًا وعقليًا، لا أريد الإطالة في ذكر محاسن هذ النَوع، ورغم ذلك، نادرًا ما نجدُ هذا المسلم، ولكن نجد الباقين بكثرة!

أما ثاني نوع، فالمسلم المجنون: فقد انتشر بسبب الأنظمة القمعية العربية وساهم في انتشاره:”غضب الشعوب التي ضجت من فسادِ أنظمتها الإدارية والسياسية”، ومما ساعد أيضًا على الانتشار: “الرغبة في الانتقام ممن عُذبوا في أقبية السجون والأقسام ومقرات التعذيب المُغلقة التي لا نعرف عنها شيئًا، فخرجوا كالأسود الجامحة لا يوقفهم إلا الموت، تجمعوا في مكان واحدٍ وبدؤوا في الانتشار كالنار في الهشيم.

والتوسع على أرض سوريا، هذا النوع هو:”المسلم المجنون” الذي لم ير من الإسلام إلا ذروة سنامه، وهو الجهاد، ولم ير من الجهاد إلا القتال في الصفوف الأمامية والقتال أيًّا كانت الضحية!

فلو كان عنده نظرة “شمولية” للدين الصحيح = ما أقدم على فِعلته تلك! ولو كانت الأنظمة أكثر رفقًا بمعارضيها وأكثر اعتدالًا في فسادها! = ما رأينا مثل هذه التنظيمات .

ثالث نوعٍ، هو “المسلم بالعاطفة” وهو عكس سابقه، فهو لا يقيم شرعًا، ولم يأخذ من الدين إلا الخشوع ورقة القلب، لا أقلل هنا من هذه الصفات، ولكنها لا تقيم مسلمًا صحيح الإيمان.

هذا النوع يبكي كلما رُددت أمامهم آيات القرآن والأحاديث النبوية، وكلما كانوا في إحدى الحضرات الصوفية تهفو قلوبهم للمشاعر المقدسة والتمسح بالكعبة، وزيارة الرسول وقبره ، وبعضهم تعدى الأمر معه إلى التمسح بقبورِ الأولياء ؛ طلَبًا للقربى ، ونسوا – أو قل تناسوا – قَولَ الله تعالى واصفًا عبَّاد الأصنام : ” ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زُلفى “.

هؤلاء لم يأخذوا من الدين إلا الخشوع والتأثر بآيات القرآن، وليست كافيةٌ أيضًا لصنع مسلمٍ صحيح الإيمان !

النوع التالي هو من أخطر الأنواع ؛ فيمكن أن يتحول إلى إحدى  الأنواع الثلاثة السابقة بمجرد الاحتكاك بهم ، وهو ليس بالأمر الهين؛ فالمسلم بالصدفة هو من وُلِد على دينٍ غير الإسلام، ولكنه صادفَ مسلمًا، فانبهر بأخلاقه أو شدته أو خشوعه، على حسب نوع الانبهار مما سبق ينتقل إلى أحد الأنواع السابقة، وعلى عكس عِلم الإجرام: فإنه من الخطأ وضع مجرم بالصدفة مع مجرم بالعادة ، فإنه في الإسلام ينبغي وضع المسلم بالصدفة مع المسلم بالفطرة ؛ لينهل من تدينه وتعاملاته، وليستقي منه “صحيحَ” الدين.

فلو لم يقابلْ مسلمًا بالفطرة ربما تحَّول إلى مسلمٍ مجنون، وهو ما يمثل خَطَرًا على الأمن القومي للبلاد، أو يكون مسلمًا بالعاطفة = لا فائدة تُرجى منه !

النوع الخامس والأخير هو السواد الأعظم في المسلمين: هو “المسلم بالعادة” ويروق لي تسميته “مسلمٌ بالوراثة!”: هو من وُلِدَ ليجد أبويه وأهله مسلمين، فأخذ الإسلام كأمرٍ واقع، وتحولت عبادته إلى شيءٍ روتيني يؤديه على عَجَلٍ بصفةٍ دوريةٍ؛ لرفعِ الحرج عنه لا أكثر!

ما أكثر هذا النوع في مجتمعاتنا! وما أندرَ النوع الأول الذي ينبغي لنا جميعًا أن نكونَ منه! ما أكثر الفساد والقمع الذي يُوَلِّد المسلم المجنون! وما أكثر شيوخ الطريقة الذين يدعون إلى “مسلمٍ بالعاطفة” فقط لا غير!

أُوجِّه رسالتي إلى نفسي قبل أن أوجهها لأحد: تعلم الغاية من خَلقِك، وتفكَّر في ملكوت ربك، وتعلم دينك من ثقاتٍ من النوع الأول!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست