لو اتخذ “زوربا” الأردني قرارًا بالانسجام مع دعوات الكآبة، وقتل فرح الاحتجاج ضد البؤس، لكان حقق للإرهابيين ما أرادوه من إرهابهم، ولأكمل رسالتهم من دون أن يدري، فأن يتوقف المهرجان وتغلق القلعة السياحية، فذلك عين ما يتوخّاه أعداء الحياة.

أليس من حق “زوربا” الأردني أن يؤدي رقصة فرحٍ كلما اشتدّ الخطب وادلهمّ الحزن في أرجائه، عقب كل عملية إرهابية  يُصاب بها في خاصرته؟
استطال هذا السؤال، عريضًا، في ذهني إبّان تفجير حافلة أمنية في منطقة الفحيص التي كانت تحتضن مهرجانها السنوي، وما أعقبه من مداهماتٍ لوكر إرهابيين في السلط؛ إذ كانت تحتدم على ساحة مواقع التواصل الاجتماعي حروبٌ أخرى لا تقل “إرهابًا” عن الأولى، من مدوّنين محتقنين، طالب بعضهم بإلغاء سائر المهرجانات والاحتفالات، وإحالة البلد كلها إلى خيمة عزاء أبدية، فيما بلغت الشماتة ببعض خبراء “اليسار” الأردني إلى ربط سلسلة الضربات الإرهابية التي تعرّض لها الأردن، بموقفه المحايد من الأزمة السورية، ذاهبين إلى أن الأردن يدفع ثمن عدم انحيازه للنظام الأسدي.
وفي غمرة هذه الاحتقانات الفيسبوكية، قفز إلى خاطري زوربا اليوناني، برقصته الشهيرة، التي استمدّت أهميتها، لا من حركاتها، بل من فلسفتها القائمة على مواجهة البؤس بالفرح، وتمنيّت لو كان لدينا “زوربا” أردني، يقفز بغتةً وسط كل هذا الوجوم والاحتقان؛ ليؤدي رقصة احتجاج على الذين يطالبون بتأبيد الحزن، أو تأخذهم الشماتة إلى حد الربط بين إرهابيْن.
في مثل هذه الحالة، ستتخذ رقصة زوربا الأردني محمولاتٍ أبعد من نظيره اليوناني الذي بدأت رقصته مع فشل تجربة منجم الفحم التي أقنع بها صاحبه، وفي مقدمتها الردّ الأبلغ على الإرهاب ذاته، الذي كان يتوخّى قتل الفرح، أساسًا، من وراء تفجيراته، بدليل أنه اختار، في عمليتين كبيرتين، معلَمَين أردنيين بارزين، الأول سياحيّ يتمثل في قلعة الكرك التاريخية الشهيرة، والثاني يتمثل في مهرجان الفحيص السنويّ الذي يضم فعاليات فنية وثقافية متعدّدة، وفي ذلك رسالة واضحة من الإرهابيين، أن المطلوب هو إحالة البلد إلى سحنة واجمة بذرائع شتى، لا مجال لحصرها، منها ما يصدر من تأويلاتٍ دينيةٍ لا تنسجم مع فلسفة الدين نفسه، ومنها ما يأتي بذريعة “محنة الأمة” المبتلاة بفلسطينها وتمزقها ومآسيها العديدة، وهي ذرائع اعتدنا سماعها على مدى قرن، كلما تورّط أحدنا في ارتكاب جريمة فرح، أو جازف بابتسامة خارج الحقل “الموناليزي” المعهود.
على النقيض من ذلك، لو اتخذ “زوربا” الأردني قرارًا بالانسجام مع دعوات الكآبة، وقتل فرح الاحتجاج ضد البؤس، لكان حقّق للإرهابيين ما أرادوه من إرهابهم، ولأكمل رسالتهم من دون أن يدري، فأن يتوقف المهرجان وتغلق القلعة السياحية، فذلك عين ما يتوخّاه أعداء الحياة والفرح من عدميّتهم وعبثيّتهم. وقد أحسن القائمون على مهرجان الفحيص حين قرّروا مواصلة فعالياتهم حتى الختام، في حين كان المحتقنون على مواقع التواصل الاجتماعي يتمّمون رسالة الإرهابيين باحتجاجاتهم ومطالباتهم المتكرّرة بوأد الفرح، والامتناع عن سائر مظاهر الاحتفال، بل منهم من كان يحتجّ حتى على مدوّنات العشق والحب، ويرى فيها خروجًا على سحنة الكآبة التي ينبغي أن يتّشح بها الجميع.
أما عن أولئك “الشامتين” من فلول اليسار، الذين ربطوا بين إرهابيْن، فإرهابهم أدهى وأمرّ، ولا أجدني راغبًا في الردّ عليهم؛ لأنهم ربطوا مصائرهم، أصلًا، بأعتى نظام إرهابيّ عرفه العالم في القرن الحادي والعشرين. وسيرى هؤلاء في تفجير العالم كله ثمنًا عادلًا لعدم نصرته طاغية دمشق الذي شرّد نصف شعبه.. ومثل هؤلاء لن يتقنوا، في حياتهم، غير رقصات الموت والدمار والبراميل المتفجّرة، لا رقصة الفرح والحياة، ويفوتهم أن أصل الإرهاب في سورية هو نظامها الذي صنع “داعش” وغيرها، ووظفها لتحقيق مآربه في إفشال ثورة شعبه التي قامت أساسًا ضد طغيانه واستبداده، على مدى نصف قرن من حكم “الأسدين”.
في المحصلة، أثق أن الأردن لن يكون خيمة عزاء أبدية؛ لأن فيه روح زوربا التي تتقن رقصة الحياة جيدًا.