معالم الموت أصبحت تظهر على وجوه المحرَّرِين؛ وأقصد هنا بالمحرَّرِين المهجرين قسرًا المنفيين في بقعة صغيرة من المساحة السورية، المحررين المراهن على حياتهم التي هي بالأساس لم تعد حياة؛ حياة للعيش فقط بلقمة مسمومة بالخوف، مسمومة بالقهر والحرمان، مسمومة بالشوق للأمن والأمان، فالمساحة الصغيرة من أرياف حلب، ومحافظة إدلب التي يعيش فيها أناس هجِّروا قسرًا من بلادهم بحجة الإرهاب الآن حياتهم رهان ويا للعجب! حوصروا وجوعوا وقتلوا وشردوا من مناطقهم، والآن الرهان القائم على حياتهم، وكأنهم أغنام للبيع لمن ستكون هذه المناطق، كل ما جرى منذ ثماني سنوات لم يأت بنتيجة سوى أرقام لشهداء، وأرقام لمعتقلين، وأرقام للمهجرين، والآن رهان.

المخاوف التي عاشها سكان إدلب بخروج سكان كفربا والفوعة، أصبحت ترتسم اليوم على أرض الواقع، بتزامن المباحثات والمداولات بين الروسي والتركي لاستلام وتسليم مكاسبهم، ولا يوجد جديد؛ فالتركي يراهن ويُطمْئِن أهالي إدلب، والروسي يرمي عليهم منشورات للمصالحة والعودة إلى حضن الوطن، الذي سلب من أهله حتى حق العيش في منازلهم.

السؤال الذي يطرح نفسه منذ بدأ تكرار عمليات التهجير القسري إلى إدلب، لماذا جمع كل هؤلاء الأشخاص في إدلب؟ سؤال يصعب أن تفهم حله ونتائجه؛ ليترك الناس في حيرة من أمرهم، هل تصبح إدلب قطاع غزة الثاني؟ أم ضربة قاضية لجميع من سعى وراء الحرية؟ أخرجهم وجمعهم، والآن يطلب المصالحة والعودة إلى حضن الوطن، في حين تقوم المقاتلات الروسية بقصف مناطق عدة في ريف حلب الغربي، لتوقع المجازر، وتترك الناس في حالة من الهلع والخوف، هل هذا تهديد صريح لمعركة قادمة، ووضع المنطقة تحت رهان الأمر الواقع؟ فلم يعد سواها من جميع سوريا محررًا، والخيارات لم تعد مفتوحة إما القصف والموت، أو المصالحة وحضن الوطن.

يرى محللون سياسيون بأن مصير إدلب يتوقف على موقف أنقرة، وقدرتها على توسيع سيطرتها في شمال غرب سوريا، عبر تقليص نفوذ هيئة تحرير الشام التي تصير على نحو 60% من إدلب الحدودية مع تركيا، وتنتشر فصائل إسلامية منافسة لها في مناطق أخرى فيما استعاد النظام السيطرة على مطار أبو ضهور وعشرات القرى في ريف إدلب الجنوبي الغربي.

يقول الباحث في المعهد الأمريكي للأمن «نيك هاريس» لوكالة فرانس برس: «إن إدلب موضع سباق بين روسيا وتركيا، ويعتمد مصير المحافظة على تصميم أردوغان على تحدي بوتين في سوريا، ويضيف أن تجمع خصوم النظام الأكثر شراسة في إدلب؛ قد يغري الأمر روسيا كثيرًا لإعطاء الضوء الأخضر للنظام بشن هجوم في المحافظة».

ودعم موسكو القوي للنظام منذ 2015 غيّر موازين القوة على الأرض، لصالح النظام الذي خسر في السنوات الأولى مساحة واسعة من الأراضي.

وإدلب اليوم تضم عشرات الآلاف من المقاتلين الذين تم إجلاؤهم باتفاقيات أستانا، بإشراف روسي، وانضمام إدلب إلى مناطق خفض التصعيد حسب أستانا التي ترعاها روسيا وإيران حلفاء النظام، وتركيا الداعمة للمعارضة، ويجمع المحللون أن تركيا التي تشكل إعادة مئات الآلاف من اللاجئين الموجودين لديها هو أحد أكبر هواجسها، وطالما أيدت وجود منطقة عازلة قرب أراضيها، غير مستعدة لاستقبال موجات جديدة من النازحين قد يرتبها أي هجوم للنظام على إدلب المكتظة بالسكان.

ويرى «هيلر» من جهته بأن أدلب لم تعد بين أهداف دمشق حتى إشعار آخر، ويتوقف مصير المحافظة على ما يدور خلف الكواليس من اتفاقيات روسية تركية، كما يرى محللون أن سيطرة تركيا على عفرين ونزعها من الأكراد يدخل ضمن إطار هذه التفاهمات، ويندرج في إطار المنطقة العازلة المطلوبة من تركيا وإبعاد الأكراد عن حدودها.

إلّا أن تركيا لا تتمتع بالسيطرة على هيئة تحرير الشام؛ وبالتالي فإن حسم مصير إدلب قد يمر بقتال داخلي جديد.

حيث تسيطر الهيئة على المناطق الأكثر حيوية، والتمسك بالشريط الحدودي والسلع المارة عبرها إلى إدلب، وتحاول حكومة الإنقاذ الوطنية والتي تعد بمثابة الذراع المدني فرض سيطرتها على المنشآت، والمجالس المحلية، وتتحكم بالمحروقات، وتفرض الضرائب على الأسواق، والمحلات التجارية، ويقول «هاريس» إن تركيا وليس أي فصيل معارض آخر ستشكل القوة الحاسمة ضد هيئة تحرير الشام.

مصير إدلب يرتبط بالشروط الثلاثة التي نوقشت بين الضباط الأتراك، وممثلين عن هيئة تحرير الشام، حيث تم وضع الهيئة أمام خيارين إما أن تحل نفسها، وتنضم لمن يريد الانضمام من عناصرها بسلاحه لفصائل المعارضة مع إمكانية الخيار بين الفصائل، والثاني خروج الهيئة من كل الشمال السوري، وحصر وجودها في الساحل فقط، وهذا ما اعترضت عليه روسيا معتبرة أن وجود هؤلاء في تلك المنطقة سيعيد المعارك لجبهات اللاذقية، وسيتفرغون لقتال النظام.

وتم طرح الخيار العسكري بشكل غير مباشر؛ وهو دخول فصائل المعارضة التي تدعمها تركيا في حرب لإنهاء هيئة تحرير الشام على غرار تنظيم الدولة في مناطق درع الفرات بريف إدلب.

أما الخيار الثالث في حال فشلت تركيا في حل الهيئة ستقوم إيران وروسيا بدعم النظام السوري ومليشياته في عمل عسكري لدخول إدلب؛ وهذا سيخلف عواقب كارثية إن حدث، لا سيما أن إدلب أصبحت أكبر خزان بشري للمعارضة، والمدنيين المهجرين قسرًا، والنازحين في الشمال السوري.

تساؤلات حول وجود صفقة روسية تركية؛ تتضمن عدم اعتراض الجهد العسكري التركي الحالي في السيطرة على عفرين، مقابل إعطاء ضمانات من أنقرة إلى موسكو بدعم تقدم النظام إلى إدلب، التي تسيطر عليها المعارضة، يرى المحلل السياسي والخبير الاستراتيجي «أديب عليوي» أن السياسة الروسية الحالية تحتاج إلى تركيا أكثر من أي وقت مضى مستبعدًا أن تكون الموافقة الروسية على العملية التركية جاء بعد صفقة بين روسيا وتركيا بمعنى عفرين مقابل إدلب.

وذكر «عليوي» أن في الفترة الأخيرة هناك تخبط في السياسة الروسية موضحًا أنه حتى لو كان هناك تفاهمات على عفرين فهي توافقات مرحلية، منوهًا في الوقت ذاته إلى أنه ربما تكون روسيا طلبت العديد من النقاط للضغط على الفصائل العسكرية المعارضة في سوتشي، مقابل عدم معارضتها للعملية العسكرية في عفرين.

استدرك بقوله قد تكون الطلبات الروسية أكبر مما تقدر عليه تركيا، معتقدًا لا تساوم بهذا الشكل على الثورة السورية، وهناك مبالغات في الحديث عن مثل هذه الصفقة.

اجتماع سوتشي اجتماعات تقنية ثنائية وثلاثية بين وفود الدول الضامنة تركيا وروسيا وإيران؛ حيث تبدأ الاجتماعات بلقاءات ثنائية تركية روسية إيرانية، على أن يكون الاجتماع الثلاثي لاحقًا من أجل التوافق على البيان الختامي للاجتماع، والمواضيع المتعلقة بجدول الأعمال.

1- منطقة خفض التصعيد في إدلب والمخاطر والخروقات المتعلقة بها.

2- ملف المعتقلين.

3- تشكيل اللجنة الدستورية.

4- ملف عودة اللاجئين الذي تطرحه روسيا فيما تبدي تركيا والمعارضة شكوكًا حول هذا الملف.

تشارك الأردن والأمم المتحدة باعتبارهما مراقبين وسط غياب أمريكي هو الثاني على التوالي، يمثل الاجتماع عن كل دولة؛ تركيا مستشار الخارجية التركية «سدات أونال»، روسيا «إلكسندر لافرتيف»، إيران مساعد وزير الخارجية «حسين أنصاري»، المعارضة الرئيس السابق للحكومة المؤقتة «أحمد طعمة»، عقب هجوم النظام مؤخرًا على درعا، والتهجير القسري للمعارضين فيها؛ تصاعد القلق من هجوم مماثل على إدلب.

وهذا ما حذر منه «أردوغان» من خلال اتصال هاتفي مع نظيره الروسي «بوتين» وقال فيه إن تقدم النظام السوري نحو إدلب كما حصل في درعا سيدمر جوهر أستانا.

تتواتر أنباء عن حشود عسكرية للنظام في جبل التركمان في خرق لاتفاق خفض التصعيد بمحافظة إدلب، ويشهد اللقاء انعقاد الاجتماع الرابع لسوتشي لمجموعة العمل الخاصة بالمعتقلين بمشاركة الدول الضامنة، والأمم المتحدة، والصليب الأحمر الدولي، ويأمل الجانب التركي تحقيق تقدم ملموس في هذا الملف، ويستفيد «دي مستورا» من وجوده في سوتشي بطرح موضوع اللجنة الدستورية على الدول الضامنة، وآخر جديد طرحته روسيا في الاجتماع هو بشأن البدء بعودة اللاجئين إلى سوريا، وخاصة مناطق سيطرة النظام وهو ما ترفضه تركيا والمعارضة؛ لأن الظروف ليست مهيئة لبدء عودة اللاجئين.

يقول رئيس اللجنة القانونية في وفد المعارضة «ياسر فرحان» للأناضول إن قضية المعتقلين تمثل أولوية لا تتخلى عنها المعارضة، وإنها تحظى بأهمية مضاعفة في ظل تسجيل النظام لآلاف الوفيات من المعتقلين؛ مما يثير المخاوف بشأن ما تبقى، ويجب على المعارضة الضغط لحماية وإطلاق سراحهم، وتابع يجب العمل على تأمين إدلب والساحل ومنع قصفها، واستهداف أهلها، وستطلب من الروسي توضيح مشروع عودة اللاجئين، وبما يخص الموقف من الاجتماعات بعد التهجير القسري في إدلب، قال «الفرحان»: «إنها اتفاقيات تهجير تحت الإكراه، والتهديد بالإبادة فرضتها روسيا، على القيادات العسكرية في المنطقة، وشدد أن هذا الشيء يصعب على النظام اجتياحها واستهداف أهلها، إضافة إلى أن الفصائل المتواجدة مستعدة لكافة الاحتمالات».

وزاد أن روسيا تطرح مشروع عودة اللاجئين، وتريد إقناع المجتمع الدولي لدعم مشروعها، وهذا سيفشل إذا هوجمت إدلب، وفيها أربعة ملايين إنسان، سينتقلون إلى الحدود، ومن ثم أوروبا، إضافة إلى أن روسيا لا تريد أن تخسر تفاهماتها مع تركيا.

اليونسيف

حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة اليونسيف؛ بأن مليون طفل سوري معرضون للخطر في إدلب والريف وحدها آخر معقل للمقاتلين المعارضين للنظام، وأضاف مدير المنظمة في الشرق الأوسط بأنه قُتل 28 طفلًا في إدلب، وغرب حلب بالقصف مؤخرًا، ومن بين القتلى عائلة مؤلفة من سبعة أفراد.

هل تنقذ تركيا إدلب من مصير مشابه لمصير حلب؟

بعد حسم ملف الجنوب السوري، يحاول النظام توجيه نظره إلى إدلب الشمال السوري، وهذا يعني تعرض منطقة خفض التصعيد لهجوم مماثل لما حصل في الغوطة وحمص والجنوبي الغربي، وعلى خلفية هذه التهديدات من النظام يواصل الجيش التركي على تقوية نقاط المراقبة التي وضعها في المنطقة من خلال بناء المزيد من التحصينات العسكرية حول كل نقطة،إن تركيا تعتبر هذه المنطقة خطًا أحمرًا حيث إنها ستؤثر في عملية التسوية السياسية بسوريا ككل.

ومن خلال القمة المشتركة التي عقدت بين وزير الخارجية التركي «أوغلو» ونظيره الروسي «لافروف» أعرب «أوغلو» عن أمله في التوصل لحل بشأن منطقة خفض إدلب السورية، ولفت «أوغلو» إلى ضرورة تحديد الإرهابيين في مدينة إدلب ومحاربتهم، بعد ما شدد في الوقت نفسه على أنه لا يصح شن حرب شاملة على المدينة وقصفها بشكل عشوائي، موضحًا أن قصف كل أنحاء إدلب والمدنيين بذريعة وجود إرهابيين يعني القيام بمجزرة.

تصريحات الوزير التركي تعني بكل وضوح وقف أنقرة في وجه تنفيذ مجزرة جديدة في آخر معاقل المعارضة في الشمال السوري، بعد ما أعلن النظام المدعوم من موسكو النية لمهاجمة إدلب، واستعادة السيطرة عليها،

تحاك الاجتماعات، وتحوم الطائرات، وأربعة ملايين شخص على الأقل بانتظار القرارات، فلا هيئة تحل نفسها، ولا نظام يترك المنطقة، وتركيا تحذر من شلال الدماء.

والرهان قائم، والقادم مجهول!