رواية يسمعون حسيسها، كتاب جذبني إليه عنوانه؛ لما يحمله من بريق كان كافيًا لجعلي أسارع إلى تحميله والخوض في عالمه المظلم الذي أسرت في كلماته معهم. يمتلك هذا الكتاب من الأدبية ما يمتلك، ويتضمن من الشاعرية ما يتضمن، أما لغته الإنشائية فزينت صفحاته وداعبت مسمعي، فتجدني في كثير من الأحيان أقرأها بصوت مسموع رنان، خاصة عند وصولي للحوار؛ فقد استعملت حسي التمثيلي في القليل منه. متنقلة بين صفحاتها الدامية المظلمة الغارقة في الحزن، فأحسست بضيق يكاد يخنقني من شدة الخوف، كتاب قرأته، فأعجبتني قصته وأسلوبه، لذا أدعوكم إلى قراءته والإبحار في أدبيته.

تحمل هذه الرواية في طياتها حزنًا عميقًا، جعلت قلبي يبكي من دون دموع وروحي تنزف من غير دم، شعرت برعب وخوف شديدين أثناء قراءتها،استطاع الكاتب أن ينقل لنا معاناة مجموعة من الشبان في السجن، وإحساسهم بالإهانة والظلم وفقدهم لإنسانيتهم وكرامتهم بلا سبب، وتعرضهم لمختلف الأمراض النفسية أكثر من الجسدية، تعرضهم للضرب والتعذيب بأبشع الوسائل. لذلك رغم حزن هذه الرواية، إلا أنني شعرت بالاستمتاع وأنا أطالعها.

تتحدث الرواية عن الطبيب إياد أسعد الذي قضى في السجن 17 سنة كاملة تحت حفلات التعذيب، أحسست وأنا أقرأ صفحاتها أنني أنا المسجونة في كل من: الزنزانة رقم 11، ثم المهجع 28، ثم 24، حتى أنني كرهت (أبا نذير) كما كرهوه، وتمنيت أن يموت، وسرعان ما تحقق هذا التمني، فبعد قراءة بضعة صفحات مات أبو نذير، هذا الرجل الذي قتل على يده الكثير من الشباب، وسحق على يده الآلاف من الأبرياء الذين لا حول لهم ولا قوة وسلطة ولا نفوذ، شباب ظن القانون أنهم مجرمون؛ فقام بقمعهم، وترك من يستحق العقاب يجول في الحرية ويتمتع.

عندما أقرأ هذا الكتاب أحس بالخوف والذعر من المشاهد المرعبة والمفزعة التي يحتويها من تعذيب بشع للمساجين وإهانة كرامتهم واحتقار إنسانيتهم، أما طريقة الوصف فيه فكانت دقيقة جعلتني أتصور المشاهد أمامي، أما سرد الأحداث فله خصوصية كبيرة في الرواية، ولا أنسى المكان – فهو عنصر أساسي في الروايات – فكان سجن تَدْمُرْ الذي يقع في صحراء قاحلة، حيث لا نجدة ولا عون، جهنم في الأرض، وسجانوه هم الزبانية، هو نفسه المكان الذي دفن فيه الشهداء الذين قتلوا، كانت نهاية الرواية سعيدة بعد أن خرج إياد من السجن، وعاد إلى زوجته وابنته، واكتشف أن لديه ابنًا اسمه أحمد كان يؤذن في المسجد.

أما تأولي لعنوانها «يسمعون حسيسها» فربما يسمعون صوت الحرية أو الكرامة أو الإنسانية أو يسمعون صوت العذاب في آذانهم، أو يسمعون صوت الإهانات وتحقير للكرامة وطمس للهوية، فقد قضى المساجين حياتهم مطأطئين رؤوسهم ولا يجرؤون على رفعها، وإذا رفعوها تلقوا من الإهانات والسب ما تلقوا، فكان كلما أراد ضابط أن يتسلى ويكسر الروتين والملل نادى أحد المسجونين وتفنن في تعذيبه والإحساس بالطرب من صوت صراخه، وتبليغ رسالة لبقية زملائه أنه قد يكون هو التالي.

أكثر عبارة أعجبتني وأضحكتني في هذه الرواية «قصدك السوس مفول» بالرغم من أنها مضحكة، إلا أنها ذات دلالة كبيرة على الوضع المزري في السجن الذي كانوا يعاملون فيه معاملة قاسية.

وفي الأخير أريد القول بأنني محظوظة لقراءة رواية ممتعة ومشوقة كهذه الرواية، رغم الحزن الذي هيمن على صفحاتها، لكن نهايتها سعيدة؛ فقد دمعت عيناي وحبست الدمعة ولم أدعها تنزل، كما أحب أن أوجه شكري للذي عرفني على هذا الروائي المبدع. سلامي لدكتور أيمن العتوم.