لطالما وصف الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الإعلام بأنه “أخبار مزيفة”، ولطالما هاجمه بشكل عام، وخصّ بعض كبار الصحافيين بهجومه. ولكن أن يتهم الإعلام بأنه عدو للشعب ومشعل للحروب فهذا ينقل الحرب بين الطرفين إلى مستوىً آخر.

تشتدّ العزلة من حول الرئيس الأميركي دونالد ترامب. يساهم في ذلك سلوكه غير المتوازن، وتهوّره، وسلوك وسائل الإعلام العدائي تجاهه. ولكنّ أخطر ما يواجهه هو التحقيق الذي يجريه المحقق الخاص روبرت موللر في إمكانية حدوث تواطؤ بين حملته والحكومة الروسية في عام 2016.
في عام 1961، نشر الكاتب الكولومبي الشهير، غابرييل غارسيا ماركيز، روايته الصغيرة والمحزنة “ليس لدى الكولونيل من يكاتبه”. تحكي عن عقيد في الجيش، سرّح من الخدمة العسكرية، بعد أن كان يشارك في الحرب الأهلية التي وضعت أوزارها، ليجد نفسه يعيش براتب تقاعدي زهيد، مع زوجته التي تعاني من مرض الربو في كوخٍ صغير. ومنذ انتهت تلك الحرب، لم يفعل الكولونيل شيئاً سوى الانتظار. يذهب كل يوم إلى مكتب البريد لعله يجد في انتظاره رسالةً تنبئه بزيادة راتبه. ويظل الكولونيل المتقاعد مُلازماً مكتب البريد يسأل كل يومٍ عن وصول طرد بخصوص معاشه التقاعدي، وعلى مدى خمسة عشر عاماً لم ينل الكولونيل ما يعينه على مرارة حياته الكئيبة.
لا يوجد الكثير من التشابه بين العقيد الذي لم يكلّف ماركيز عناء ذكر اسمه حتى والرئيس 
“سوف تتصاعد الأمور بسرعة في قضية ترامب لكنها لن تصل إلى محاكمته في الكونغرس”

ترامب، فالأخير لا يزال ملء الأعين والأسماع، يمتلك مليارات الدولارات، وهو رئيس أعظم دولة، يلعب الغولف وينشر يوميا تغريدات على “تويتر”، وتكتب عنه وسائل الإعلام ملايين الكلمات كلّ صباح. ومع ذلك، التشابه موجود: كل من الرجلين معزول في محيطه: الكولونيل نسيته مؤسسته العسكرية ورؤساؤه ورفاقه، وانشلح وحيدا مع زوجةٍ تعاني الربو وذكرى ابن لا يعرف عن مصيره الكثير. ترامب، بدوره، يستهدفه المحرّرون والمخبرون والمحللون والكوميديون، يتفاداه رؤساء العالم كلّما أمكن لهم ذلك، وحين لا يستطيعون، يجدون أنفسهم في مأزق.
في قمّة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وجد ترامب نفسه وحيدا تماما، وكذلك كان في قمة مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى. وحين زار لندن، لم يشعر بالترحيب اللازم، وخصوصا بعد أن جعل الملكة العجوز تنتظره واقفةً على قدميها، ثم سار، وخلّفها وراءه، ليستعرض حرس الشرف، وقد أطلق اللندنيون منطادا عملاقا على شكل دميةٍ تمثّل ترامب الطفل، وهو يبكي بغلظة. وفي أميركا، يستخدمه كلّ طرف لمصلحته: الأغنياء لتخفيض ضرائبهم ومضاعفة أرباحهم، المسيحيون المتطرّفون لتمرير قضايا دينية تعزّز مكانتهم، القوميون المتطرّفون والفاشيون الجدد ودعاة تفوق العرق الأبيض، جميعهم يستخدمونه لتمرير أفكارهم العنصرية الكريهة.
في المقابل، لا تكن له احتراما حقيقيا إلا قلّة من الأميركيين البيض المتعصبين والمنغلقين، والأقلّ ثقافة وتعليما. وهؤلاء على الرغم من أنهم كتلة وازنة في الانتخابات، إلا أنهم لا يشكلون ثقلا سياسيا أو فكريا أو اجتماعيا في الولايات المتحدّة الأميركية، وهم ربما يسيئون لشخص ترامب أكثر مما يساعدونه.
وفي الأسبوع الفائت، رفع ترامب عيار المبارزة ضدّ خصومه عاليا، ففي تغريدةٍ لا سابقة لها، وصف ترامب الإعلام بأنه مشعل للحروب وفاسد، وجدّد وصفه للإعلام باعتباره “عدو الشعب”. وكتب في تغريدة له: “الإعلام المزيّف يكرهني. إنه عدو الشعب فقط لأنهم يعرفون أنها حقيقية. أنا أقدّم خدمة رائعة من خلال شرح ذلك للشعب الأميركي. إنه يسبب انقساما كبيرا وانعداما للثقة عن عمد. يمكنه أيضا أن يسبب الحرب! إنه خطر للغاية ومرض”.
لطالما وصف ترامب الإعلام بأنه “أخبار مزيفة”، ولطالما هاجمه بشكل عام، وخصّ بعض كبار الصحافيين بهجومه. ولكن أن يتهم الإعلام بأنه عدو للشعب ومشعل للحروب، فهذا ينقل الحرب بين الطرفين إلى مستوىً آخر. حتى ابنته المدلّلة إيفانكا وزوجته السيدة الأولى ميلانيا رفضتا توصيف الإعلام بأنه عدو الشعب ومسبّب للفتن. وقد ردّ الإعلام طبعا على ذلك بقوة، وذكّر بأن الرئيس ترامب ليس أكثر من كذّاب، وذكرت صحيفة واشنطن بوست أن ترامب قد كذب لغاية اليوم 558 من رئاسته 4222 مرّة، أي بزيادة قدرها 978 مرة في شهرين فقط. وقد وصل معدل كذبه إلى ما يقرب من 7.6 مرات في اليوم. وذكّر الإعلام بأن ترامب الذي كان صقرا مع حلفائه الغربيين تحوّل إلى حمل لطيف مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في أثناء لقائه في هلسنكي. وبينما قال جميع رؤساء الأجهزة الأمنية في أميركا إن الحكومة الروسية قد تدخلت في انتخابات الرئاسة في 2016 لمصلحة ترامب، فإن شخصين اثنين في كلّ الولايات المتحدّة يصرّان على ألا يعترفا بذلك: الرئيس ترامب والناطقة الرسمية باسمه سارة ساندرز هيكابي، التي كادت أن تفقد أعصابها حين طلب منها جيم أكوستا، مراسل “سي إن إن” المشاغب، أن تقول أمام الملأ إن الإعلام ليس عدوا للشعب، فأوشكت على البكاء، لكنها لم تفعل.
ولكن الرئيس ترامب لا يساعد نفسه. فهو انسحب من الاتفاق النووي مع إيران، من دون أن تكون لديه خطة بديلة، ووضع نفسه على خلافٍ مع العالم بأسره، بينما تغزّل بدكتاتور كوريا الشمالية كيم جونغ أون الذي لم يلتزم بعد بأي من تعهداته. وذكر تقرير استخباراتي أميركي سرّب قبل أيام أن كوريا بصدد بناء صاروخ باليستي جديد. وطار وزير الخارجية الكوري إلى إيران، للتباحث مع المسؤولين هناك في تداعيات إلغاء الاتفاق الإيراني.
وفي الداخل، لا يزال مدير حملة ترامب، بول مانافورت، قيد المحاكمة بتهمة جني أرباح غير مشروعة من كبار الأوليغارشيين الأوكرانيين الموالين لموسكو، والتهرّب من الضرائب. ولا يزال روبرت موللر يضيّق الخناق على الرئيس، بتهمة إعاقة العدالة، ما جعل محاميه الشخصي رودي جولياني، وهو رجل كاريكاتوري يصلح لأن يكون مهرّجا أكثر منه محاميا، ابتكر نظرية أن التواطؤ مع الروس ليس جريمة أساسا.
واعترف ترامب بأن اجتماع 2016 بين ابنه دونالد ترامب الصغير وصهره جاريد كوشنر مع مسؤولين روس كان للحصول على معلومات ضدّ منافسته في الانتخابات (هيلاري كلنتون)، 

“السياسيون الأميركيون عموما يسعون اليوم إلى تحقيق أكبر مكاسب شخصية، غير آبهين بمصير الأمة الأميركية والعالم”

ولكن ذلك ليس غير قانوني، لكنه أصرّ على أنه لم يكن على علم بذلك الاجتماع، على الرغم من أن محاميه السابق، مايكل كوهين، على وشك الشهادة أمام فريق روبرت موللر بأن ترامب كان على دراية بالاجتماع قبل انعقاده في يونيو/ حزيران 2016.
جاءت آخر الضربات لترامب من خلال اعتقال أحد أعضاء الكونغرس الجمهوريين، وهو من أكبر مؤيدي ترامب والمصوّتين على كلّ مشاريعه، فقد اعتقلت السلطات الأميركية العضو في مجلس النواب عن الحزب الجمهوري، كريس كولينز، بتهمة سوء استغلال معلومات سرية حصل عليها بصفته نائبا، ومن ثمّ سرّبها لعائلته، ليجني ملايين الدولارات.
باختصار، سوف تتصاعد الأمور بسرعة في قضية الرئيس ترامب، لكنها لن تصل بالتأكيد إلى محاكمته في الكونغرس، وإجباره على ترك منصبه، كما جرى مع الرئيس ريتشارد نيكسون في سنة 1974، لعدّة أسباب: أغلبية مجلسي الكونغرس تحت هيمنة الجمهوريين، ومن يجلس على مقاعدهم من طينةٍ تختلف عن تلك التي كانت لأعضاء الكونغرس قبل أربعة عقود. السياسيون الأميركيون عموما يسعون اليوم إلى تحقيق أكبر مكاسب شخصية، غير آبهين بمصير الأمة الأميركية والعالم، إلا على شاشات التلفزيون. ومع ذلك، سيجد ترامب نفسه معزولا أكثر فأكثر، وستزداد عزلته بعد انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني المقبلة، حيث من المرجح أن يخسر أنصاره الانتخابات في أكثر من ولايةٍ كانت محسوبة عليه. وفي النهاية، سيجد الرجل نفسه رئيسا لا يخاطبه أحد.