ما كان في قدرة روسيا أن تفعل ما فعلت في سورية من قتل وتدمير واحتلال من دون تنسيقٍ مطلقٍ مع إسرائيل، صديقة أميركا وحامية النظام، لأن لها مصلحة كبرى في الإبقاء على نظامٍ أراحها عقودا.

لا يُنكر عاقل أهمية سورية “الجيو- سياسية”، فالصراع على سورية يكاد يسبق التاريخ والتأريخ؛ ومن يسيطر عليها يمتلك قولاً فصلاً في قضايا الشرق الأوسط، باتجاه الأفضل أو الأسوأ. ولكن أن تدّعي أبواقٌ إعلاميةٌ وسياسية في نظام الأسد أن “القيادة السياسية” الحالية تلعب دوراً مفتاحياً في العلاقات الدولية، فهذا ما يتجاوز حدود المنطق والتصديق.
يصف أحد أبواق النظام تلك القيادة بأنها مساهم أساسي في القضاء على أحادية قطبية في عالمنا. يدّعي ذلك الجهبذ أنه لولا قيادة الأسد، لكان عالمنا وحيد القطبية، ولكانت الولايات المتحدة تتحكّم في العالم بالطريقة التي تشاء؛ فالمسلك “الحكيم” لقيادة الأسد كان وراء إعطاء روسيا، والرئيس بوتين تحديداً، الفرصة للتصدّي لأحادية القطبية الأميركية والوقوف في وجه غطرستها، أكان ذلك في ليبيا أو تونس أو مصر. برأي تلك الأبواق، أعطى نظام الأسد الفرصة لروسيا أن تقول للعالم: ها نحن هنا، والعالم لم يعد وحيد القطبية، وليس بإمكانكم أن تتحكّموا في مصيره.
لا يعتبر هؤلاء ما حدث في تونس وليبيا ومصر أكثر من منصّةٍ استخدمها الغرب ومؤامرته للقفز إلى سورية، والانقضاض عليها. لا يمنح هؤلاء المصريين والليبيين والتونسيين شرف نشدان الحرية، والسعي إلى التخلص من دكتاتورية أنظمتهم القمعية، تماماً كما ينظرون إلى الحالة السورية، معتبرين أن ما يحدث في سورية ليس أكثر من مؤامرة بأبعاد عالمية.
في أذهانهم ما يؤكّد هذه الحقيقة المتخيّلة عن نظامهم “العظيم” أنه جذب قوى عظمى، كروسيا والصين، إضافة إلى إيران؛ وأنه لو لم يكن هذا النظام صاحياً ومجتهداً لسادت الأحادية في العالم؛ ولما كانت تعدّدية القطبية التي يتمنّون؛ ولكانت لأميركا اليد العليا في كل ما يحدث. من جانب آخر، يتصوّر هؤلاء أن أصدقاء أميركا من جانب آخر يتعثرون، وينفضّون عنها، ويُحَيّدون. ويعود ذلك كله، برأيهم، إلى تأثير نظام الأسد وقوته.
ما تغفل عنه تلك الأبواق الإعلامية والسياسية أنه لو لم تكن الولايات المتحدة الأميركية راغبة في أن تقوم روسيا الفيدرالية بالأعمال القذرة عالمياً، لما تجرأ بوتين أن يحرّك أو ينبس ببنت 
“لسورية أهمية جيو- سياسية حقيقية، ولكنها فقدتها بالممارسات الإجرامية لعصابات الأسد”

شفة، ولمّا كان لقوة في العالم أن تمكّنه من فعل ذلك، ولما سُلم بفضلهم الملف السوري الدموي، برعاية نظام القتل في دمشق وفعله. ينسى هؤلاء، من جانب آخر، أنه ما كان في قدرة روسيا أن تفعل ما فعلت من دون تنسيقٍ مطلقٍ مع إسرائيل، صديقة أميركا وحامية النظام، لأن لها مصلحة كبرى في الإبقاء على نظامٍ أراحها عقودا. الأمر الثالث الذي يفوت تلك الأبواق أنه، بعد أن فعل جورج دبليو بوش ما فعل في المنطقة، وكلّف أميركا تلك التكلفة الباهظة، في وقت كان بوتين صامتاً من دون حراك، بعد ذلك وجد أوباما المثالب والفجوات في تلك المنهجية، فأحدث تعديلاً طفيفاً يكون فيه بوتين متعهداً الأعمال القذرة؛ حيث إن هاجس بوتين الأساس أن يُنظرَ إليه بوصفه إنسانا مهما؛ ما يمكّنه من تقديم أوراق اعتماده للغرب؛ وللشعب الروسي قيصرا جديدا يحكمه أبدياً. حتى مع دونالد ترامب، استطاعت المؤسّسة الإمبريالية الأميركية وحيدة القطب أن تعطي زخماً جديداً لأداة القيام بأعمالها القذرة وتدفعها باتجاه الاستمرار في استخدام حق النقض (الفيتو) لحماية الإجرام، من دون أن تكلف نفسها عناء تنظيف قاذورات العالم كمنظومة الاستبداد.
فوق ذلك كله، يبرز السؤال: من قال لتلك الأبواق إن أميركا تريد أساساً تغيير ذلك النظام الذي يستقتلون في الدفاع عنه، وإظهار أهميته؛ خصوصا أن هاجس أميركا وإسرائيل، طوال الوقت، الحفاظ على نظامٍ كهذا أراح إسرائيل عقودا؟ لا أدري إن خطر لتلك الأبواق أن “الإنجاز الوطني” الأهم لذلك النظام هو تدمير سورية وأهلها من أجل كرسي الدم.
إذا كانت منظومة الاستبداد هذه قد حرّكت تعدّدية القطبية، فقد حرّكتها باتجاه احتلال سورية،

“هاجس بوتين الأساس أن يُنظرَ إليه بوصفه إنسانا مهما؛ ما يمكّنه من تقديم أوراق اعتماده للغرب”

 على الرغم من أن القطب العائد (روسيا) لا تعترف، أو ربما لا تتجرّأ على الاعتراف بأنها تحتل سورية.
صحيحٌ أن لسورية أهمية جيو- سياسية حقيقية، ولكنها فقدتها بوجود نظامٍ كهذا، وبالممارسات الإجرامية لعصابات الأسد، بعد ارتكاب نظام الأسد كل تلك الجرائم التي هزّت ضمير الإنسانية، وبعد أن جلبت الاحتلال إلى سورية. ليعلم هؤلاء أن هذا العالم، للأسف، لا يزال وحيد القطبية؛ وسورية يمكن أن تستعيد أهميتها الجيوسياسية حال الخلاص من نظامٍ كهذا وأبواقٍ كهذه. أما بوتين، الحامي الحالي لنظام العصابة، فقد يتم تكليفه بمهمة جديدة، ولن يكون في عداد القوى، لأنه يشبه كثيراً نظام الأسد في الاستئجار والدور الوظيفي. وروسيا، من دون بوتين، يمكن أن تساهم في تعدّد القطبية.