عزمي بشارة

ليست الطائفية مسألة فقهية أو مذهبية، بل هي ظاهرة سياسية اجتماعية. الطائفة الدينية جماعة مذهب أو دين. أما الطائفية فهي تعصب للجماعة هذه، وليس للدين أو المذهب. ومحاولة فهمها بالعودة إلى النصوص الدينية ما قبل التفسيرات المذهبية جهد عقيم، ولا يقل عنه عقماً البحث عن حل لمشكلاتها في الحوار بين رجال الدين.
عندما ينشأ الخلاف السياسي الاجتماعي، أو حتى الخلاف الشخصي على الزعامة، وذلك في سياق هيمنة الثقافة الدينية، فإنه يُوجِدُ لنفسه قراءاتٍ مختلفةً للنص الديني ذاته. ومع مرور الزمن، تنشأ أيضاً قراءاتٌ مختلفة للتاريخ والأحداث نفسها التي عاشتها أطراف النزاع. وتتحول هذه إلى مناسباتٍ، تُستعاد فيها الأحداث طقسياً بموجب تفسيرها الطائفي. وبهذا المعنى، فإن الخلافات عينها التي قادت إلى الانقسام الطائفي هي التي قادت إلى الخلافات المذهبية والاختلافات الطقسية التي تبرر هذا الانقسام الطائفي دينياً.

“من يحاول أن يفهم الانقسام الطائفي، عبر فهم الخلافات المذهبية في العقيدة، يبدأ من المكان الخطأ، ويذهب في الاتجاه الخطأ”

من يحاول أن يفهم الانقسام الطائفي، عبر فهم الخلافات المذهبية في العقيدة، يبدأ من المكان الخطأ، ويذهب في الاتجاه الخطأ، فلا يصل إلى نتائج تساعده في فهم ظواهر اجتماعية سياسية مثل الطائفة، والطائفية، والطائفية السياسية.
الطوائف الدينية جماعاتٌ تنشأ من خلال التبعية إلى عقيدة دينية، وتمارس شعائر مشتركة، ترمز لهذا التميز العقيدي. وبما أن التدين ممارسة اجتماعية، فإن الطقوس التي يستحدثها المذهب غالباً ما تساهم في إعادة إنتاج الجماعة، وهويتها، حتى بعد أن تُنسى المركبات الفقهية. ولذلك، فإن المركب الطقسي يصبح لاحقاً أداة أكثر أهمية للطائفية من الخلافات المذهبية في تفسيرات العقيدة. لأن الطقوس الدينية، التي غالباً ما تجسد الخلافات المذهبية تصويرياً، وتمارسها في عملية تمثيل جماعي، تفوق التأويلات النظرية المختلفة للعقيدة قدرةً على إنتاج هوية عامة المؤمنين الطائفية. وفي حالات معينةٍ، تستخدم الطقوس لإعادة للتعبئة والتحشيد السياسي.
والخطوة الثانية هي نشر الشعور بالمظلومية، وفهم الظلم والتهميش فهماً طائفياً. وبعده، يسهل سرد التاريخ كله كسلسلة من الاحتراب الطائفي، فينقسم الظالمون والمظلومون عبر التاريخ بموجب الخطوط الفاصلة بين الطوائف التي تسقط على التاريخ بأثر تراجعي.
تجري، أخيراً، محاولات لفهم تنظيمات متطرفة، مثل تنظيم الدولة وغيره، بمراجعة الأفكار التي يستند إليها، بما في ذلك النصوص الدينية، وبعض الإنتاج الفقهي الفقير والسطحي الذي قد يؤثر فعلاً على بعض الغلاة، لكنه لا يشرح الظاهرة. وصحيح أن بعض ممارسات تنظيم الدولة يطبق حرفياً نصوص السلف، لكن الباحث يجد مثلها عند قراءة نصوص “سلفٍ” آخر في التلمود. إن المهم في فهم سلوك من يطبق هذه النصوص حرفياً هو ليس النصوص نفسها، بل العوامل التاريخية، السياسية والاجتماعية، التي أنشأت جماعاتٍ تقوم بمثل هذه التطبيقات للنصوص خارج تاريخها.
لا يمكن فهم ظاهرة داعش بدون الاحتلال الأميركي للعراق وحل الجيش ومؤسسات الدولة، وإمعان النظام الذي قام على أنقاض النظام السابق في النهج الطائفي الانتقامي، وتمدد النفوذ الإيراني، واجتماع سابق على الاحتلال بين الإسلاميين وبعض عناصر “البعث” في الحملة الإيمانية لتشجيع التدين والمظاهر الدينية في المجال العام، والتي أعلنها صدام حسين في ظل الحصار، وإلقاء عسكريين بعثيين وحركيين إسلاميين في سجون الاحتلال، ثم في سجون النظام الطائفي، والحرب على أفغانستان قبل احتلال العراق بعامين، وتشتت تنظيم القاعدة، وتدفق متطوعين عرب إلى العراق. هذه هي العوامل التاريخية التي أنجبت تنظيم الدولة الإسلامية وغيره من التنظيمات. فقد نشأ في ظل انهيار بنى قديمة، واستقطاب طائفي في المجتمع العراقي، في مقابل مليشياتٍ طائفيةٍ شيعيةٍ عملت في ظل الاحتلال على الانتقام من كل ما يمت للعهد السابق بصلة. ثم كثفت نشاطها الانتقامي في ظل النظام الطائفي. ومع وحشية النظام السوري وحلفائه، تعمّق الشعور بالمظلومية في العراق وسورية، والتقى مع مظلومياتٍ عربيةٍ عديدةٍ، تبحث عن متنفس عنيف لها عبر التضامن مع الشعب السوري.
هذه العوامل أكثر أهميةً لفهم الظاهرة من أي تفسيراتٍ وتأويلاتٍ للنصوص الدينية، وأكثر أهمية بما لا يقاس من بعض الإنتاج شبه الفكري لمنظري هذه الحركة من نوع “فقه التوحش” وغيره، مما جاء ليبرّر الممارسات دينياً. وقد مارس النظام السوري وبعض المليشيات الشيعية جرائم مماثلة، بتفسيراتٍ وتأويلات أخرى للنصوص، أو بدون نصوص كما فعل الخمير الحمر وغيرهم.
لا يقلل هذا الكلام من أهمية الإصلاح الديني. ولكن الإصلاح الديني حركة تاريخية كبرى، تؤثر على مجمل الثقافة ومجمل الدين. وبالتالي، على أخلاقيات السياسة في المجتمعات ككل، بما في ذلك المتدينون وغير المتدينين. ولكنه لا يؤثر بالضرورة على غلاة المتعصبين، ولا سيما في حالات الانقسام الطائفي. لقد عرفنا حالات تاريخية قاد فيها الإصلاح الديني إلى تعصبٍ أعنف على هوامشه. إن من ينادون بالإصلاح الديني كأنهم عثروا على حل للمشكلة لا يدركون أنهم يتحدثون عن موضوعٍ آخر تماماً. وهم يقللون من أهميته، حين يتعبرونه حلاً سحرياً لسلوك الغلاة.

“الوعي بالطائفة وضرورة تنظيمها في مقابل الدولة وبقية المجتمع هو شعور أقلياتي، حتى حين تشعر به الأغلبية”

أما من يكرّرون الحديث عن صراع سني شيعي فلا يدركون عما يتكلمون. ومحاولة أوباما وغيره، أخيراً، نشر سردية عن صراع طائفي عمره ألف عام، هي محاولة استشراقية بائسة.
لم يكن الشيعة في الماضي طائفة متماسكةً أو منظمة، أو واضحة الحدود، حتى حين احتدم الصراع على الزعامة بين قياداتٍ على الإمامة، صراعاً يفسر الآن بأثر تراجعي كصراع بين السنة والشيعة. وقد صيغت أسس المذهب الاثني عشري، في نهاية القرن الثالث الهجري وخلال القرن الرابع. وتبلور مذهباً له مؤسسة دينية في ظل الحكم الصفوي. وساهم الصراع الصفوي العثماني على العراق في تطييف ذلك البلد. ولكن هذا لم يجعل من الشيعة طائفةً واحدةً منظمة في أي وقت. أما السنة، فلم يكونوا طائفة منفصلة أصلاً، ولا حتى في أي بلد على حدة. ونحن نشهد حالياً تحول السنة إلى طائفة. وهم لم يكونوا كذلك يوماً، ولم يتصرفوا كطائفة واحدة. كانت الطوائف حتى هذه المرحلة تنظيماً “أقلياتياً”.
الوعي بالطائفة وضرورة تنظيمها في مقابل الدولة وبقية المجتمع هو شعور أقلياتي، حتى حين تشعر به الأغلبية. وتميل الأغلبية نحو التحول إلى طائفةٍ، إذا شعرت أنها أغلبية عددية، ولكنها أقلية، لناحية وضعها ومنزلتها في بلدها. وهذا بالطبع لا يحل المشكلة، بل يعممها.