– في الصغر عند سؤال أي طفل: “بماذا تحلم أن تصبح حين تكبر؟”
– يأتي الجواب سريعا: طبيب أو مهندس.

لا طفل يجيبك أريد أن أصبح رجل أعمال، أو صاحب مهنة أو حرفة، أو أن أصبح مقاولًا، والسبب أن قوالب جاهزة قد تم صبها في عقولنا منذ الصغر، وتربية جبانة واتكالية لا ترغب في المغامرة وما جرَّبت ولا استعدت لتقبُّل المجازفة، تربية منشؤها برمجة داخلية لذواتنا مبنية على السير في خطوات واضحة  الضمانة، مضمونة المصير – مهما كان شقاؤها، مهما كانت كلفتها من وقت أو مال – ما يهم في النهاية هو أن تغدو لقبًا يقطر خيلاءً بين الناس، أو أن تحظى باختصار يسبق اسمك سواء أكان دالًا أو ميمًا.

عند الثانوية العامة يكون التناحر بين الطلاب على العلامات طمعًا للظفر بقبولٍ دراسي في إحدى الكليتين المبجلتين مجتمعيًا: “الطب أو الهندسة”، وخلال الجامعة ترنو أبصار الطلبة لأن يكونوا مثل هذا المقام المُبجَّل: (الأستاذ الجامعي)، وبالتالي يصبح التناحر أكثر على العلامات في المرحلة الجامعية تطلعا لاستئهال الحصول على منحة وقبول في جامعة دولية، بعدها يدخل الطلبة غمار الماجستير، والذي يزامنه بالضرورة عمل أو مزاولة لوظيفة عند مقاول أو رجل أعمال ربما لم يكد ينه مراحل تعليمه الأساسية!

هنا توقفت لبرهة، إذ شعرت بالحسرة على العديد من الزملاء السابقين الذين أنهوا دراساتهم العليا “الدكتوراة” سواء في الطب أو الهندسة أو غيرها خارج الوطن، وباتوا خجلين من العودة لوطنهم، إذ لا وظائف شاغرة بانتظارهم، ولا مكانة –كما توهموا – تتلقفهم، وغيرهم من قضوا عشرين عامًا من حياتهم في تجميع الشهادات الأكاديمية، ثم باتوا موظفين صغار في مؤسسات تعليمية ينتظرون فتاتًا من المال نهاية كل شهر، والنوع ثالث حين عاد فلم يجد من يعطيه من القدر ما يريد،  وبات من المخجل بحقه أن يعمل في أي مهنة لا تليق بالمقام الأكاديمي الذي ألبسته إياه تلك الشهادة، قرَّر أن يرجع من حيث أتى.

في المقابل مررت بنماذج لم تكد تنهِ المرحلة الإعدادية من تعليمها وقد باتوا مُلَّاكا لملايين الأموال، وأصحابا لأكبر شركات التجارة العامة أو المقاولات، أو مؤسسين لفروع عدة من المؤسسات التعليمية الخاصة وقد تكون على شكل روضة أو مدرسة او حتى جامعة، والتي يعمل تحت ظلها مهندسون أو معلمون بخبرات وأعمار كبيرة تماثل كبر الشهادات التي قد تحصلوا عليها، مع أن المالكين أو المؤسسين ربما لم يحظوا بنفس الشهادات التي تمنحها مؤسساتهم!

هنا استذكرت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: “عليكم بالتجارة فإن فيها تسعة أعشار الرزق” هذا التُسع هو بلا شك يصب في رصيد التسع من عوام الناس، ذلك التسع الذي يمتلك من المغامرة والمجازفة والمثابرة – المفردات الملازمة للتجارة والعمل الحر – ما يؤهلهم لأن يكونوا أرقامًا، فئوسًا، معاول للبناء في أوطانهم، بدلا من أن يغدوا شهادات على الرفوف تنتظر وتطالب الحكومة في أن تلبي أو أن تستجيب، وتغدو بذلك شهاداتهم الأكاديمية عبئا سمجا ثقيل الظل على الوطن وحكومته.

وإن نظرة سريعة لأصحاب رؤوس الأموال حول العالم، ومُلاك كبرى الشركات الصناعية والتي تفوق ميزانيتها ميزانيات دول عظمى، تعطيك صورة معمَّقة كيف يسهم المال في صنع القرار بل كيف يسهم المال في تحوير كل ما هو حولك لصالح قضية وطنك أو قوميتك.

درست في الصغر بأن صفات الريادي هو أنه: مبدع، مغامر، صبور، مجتهد، …إلخ، وحينما كبرت علمت أن هذه الصفات هي صفات المقاول، أو رجل الأعمال.

لقد ورثنا حب الوظيفة وانتظارها والسعي لها عبر المسالك المعروفة من علامات مرتفعة ودورات وشهادات، ولكننا لم نرث ريادة الأعمال الحرة، والمشاريع الصغيرة المستقلة مهما صغرت بدايتها، هنا يجدر بي أن أضرب السلام احتراما لأولئك الذي باتوا مُلاكا لمشاريع فردية مستقلة فرغوا بناءً عليها أبناءهم في التخصصات التي تتلاقى مع مجال عملهم، فهذا صاحب متجر حر وتجارة مستقلة دفعته لكي يوجه ابنه لدراسة المحاسبة، وذلك صاحب روضة ومدرسة ابتدائية دفعته كي يوجه أبناءه وبناته لدراسة علوم التربية والتعليم الأساسي، وذلك صاحب وكالة للإعلام كانت سببا في اختيار أبنائه لمجال الصحافة والترجمات، والأخير مقاول في مجال البناء والتشييد تسبب في اختيار الهندسة كتخصص يساهم به أبناؤه في مشروع آبائهم، هؤلاء جميعا حين تخرجهم لا يلقون للوظيفة الحكومية اعتبارا، ولا يمثلون بشهاداتهم طابورا ثقيل الظل من البطالة يرهق اقتصاد وموازنة الحكومة، بل يشكلون بالشهادات التي عرفوا كيف ولماذا يختارونها ويتخصصون فيها رافعة تساهم في معدل الإنتاج القومي الإجمالي لأوطانهم وبلدانهم.

نتندر أحيانا بقصص تبدو لنا طريفة ومضحكة كيف أن بيل غيتس وغيره من أغنياء العالم قد فشلوا في جامعاتهم، أو خرجوا منها قبل أن يحصلوا على شهادة أكاديمية ثم باتوا على هذه الدرجة الرفيعة من الثراء والنجاح الباهر، والحقيقة أننا نحن الواجهة التي يجب أن يتم التندر عليها، إذ إننا أوهمنا انفسنا وربطنا نجاحنا بتلك الورقة التي تشهد فيها مؤسسة تعليمية ما أننا ناجحون كي نشعر بأننا فعلا نستحق النجاح بالحياة بعدها! ويكأننا ننتظر الإذن بذلك! في حين أفلَتَ هؤلاء الأثرياء من هذا القيد الوهمي الرتيب، وبنوا لأنفسهم الصرح الذي يناسبهم.

في هذا الشأن يقول طارق سويدان: في العصور الوسطى كان يُدعى الإنسان التابع لغيره بالعبد، ينتظر الإذن من سيده حيال كل تحرك وتصرف، أما في عصرنا فيُدعى هذا الشخص بالموظف، لا يسافر إلا بإذن ولا يغادر عمله أو يستقطع أجازة طارئة أو عادية إلا بإذن، ولهذا يقول المثل الإنجليزي:

One percent ownership is better than a hundred percent management.

والمعنى: أن تمتلك 1% خير لك من أن تكون مديرًا على 100%، فلو كنت مديرًا على أكبر الشركات أو المؤسسات فأنت بالنهاية موظف ينتهي أثرك وإرثك بموتك، أما حينما تمتلك 1% فإن فرصة الزيادة والعمل على التنمية تتضاعف، على خلاف الملل المتزايد في الوظيفة.

يجدر بي أن ألفت الانتباه أنني هنا لا أدعو لأن تصبح الشهادات العليا محط ازدراء أو ما شابه، فهي ضرورة لازمة لبناء الحضارات وحماية القوميات وإظهار الوجه الحضاري العلمي والمعرفي للأمم، وتسهم بإيجاد بصمة واضحة للأمم في ترس البحث العلمي المعاصر، لكنني ألفت النظر إلى ضرورة ألا يُظن بأنها محط الآمال في موضوع الوظيفة أو مبتغى الأجيال، فالشهادة الجامعية تماثل تمامًا رخصة القيادة، لا تضمن لك الرزق لكنها تساعدك في عملك الذي كان من المفترض أن تزاوله أو تربيت على مزاولته إرثًا أو تعلمًا أو احترافًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست