فلسطين ذلك البلد الصغير المكبل  بنار الاحتلال الصهيوني، الذي يمارس عليه كل الأساليب للحد من نموه ضاربا عرض الحائط كل القرارات الدولية فعلى مدار ثمانية وستين عامًا خلت، خلف هذا الاحتلال المتسلط آثارًا جسيمة على الوضع الاقتصادي والاجتماعي، فقد واجه الشعب الفلسطيني تدهورا كبيرا في تنمية أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية حيث أن ممارسات الاحتلال الإسرائيلي تركزت على هدم كل ما يمكن أن يساعد في تنمية الظروف الحياتية أو تحسين المعيشة للفلسطينيين، ولعب هذا الاحتلال الدور الأكبر على مدار عدة عقود في خلق جميع المعوقات في طريق تحقيق تنمية مستدامة في فلسطين.

فالسياسات الإسرائيلية المتعددة ترمي إلى تدمير أي نجاح يحققه الاقتصاد الفلسطيني، فالإغلاق الشامل للمناطق الفلسطينية وتقطيع أوصال المناطق الفلسطينية وإقامة الحواجز العسكرية ومنع الحركة وفصل محافظات الضفة الغربية عن قطاع غزة، ومنع الاستيراد والتصدير للمناطق الفلسطينية وغلق المعابر الدولية (الكرامة، رفح، المطار)، ومنع تنقل الشاحنات الفلسطينية التجارية بين المحافظات، بالإضافة الى  حرمان السلطة الفلسطينية من الإيرادات الجمركية، وتجميد المناطق الصناعية والتجارية على خطوط التماس، وهذا ما أدى إلى تعطيل قوى الإنتاج أدى إلى ارتفاع نسبة البطالة إلى أكثر من 60% وارتفاع نسبة الفقر وما يترتب عليها من آثار سلبية.

ومن الملاحظ أن المنح والمساعدات الدولية المالية لم تستغل جيدًا في تعديل وتحسين بنية الاقتصاد الفلسطيني ومساعدته على فك الارتباط مع الاقتصاد الإسرائيلي، هذا الارتباط الكامل كان نتيجة لربط العمالة الفلسطينية بالسوق الإسرائيلية وحصر مناطق التصدير بنقاط العبور وعبر الخط الأخضر الذي فرضه الاحتلال بين المناطق المحتلة عام 1948 والمناطق المحتلة عام 1967، و فرض ضرائب مرتفعة على التجار وفرض غرامات هائلة في حال تأخر التاجر في دفع وتسديد قيمة الضرائب المفروضة عليه.

من خلال هذه العوامل أصبحت التنمية بجميع أشكالها عملية شبه مستحيلة مع هذه التبعية الكاملة للاقتصاد الإسرائيلي، حتى أن العملية التنموية تصاب بالشلل حسب الرغبة الإسرائيلية وهذا يمنع تقدم الوضع الاقتصادي الفلسطيني من التقدم وتغطية احتياجات أفراد المجتمع الفلسطيني، ومع كل هذه المعوقات كانت هنالك معوقات أخرى مارسها الاحتلال الإسرائيلي وهي معوقات تعجيزية من خلال إعاقة الطاقة التسويقية الداخلية للمنتجات المحلية.

مدى تأثير إجراءات الاحتلال الإسرائيلي ضد الانتفاضة الثالثة على الاقتصاد الفلسطيني

وجاءت الانتفاضة الثالثة وزادت أساليب الاحتلال تعسفًا فخلال الشهور الثلاثة الأخيرة تكبد الاقتصاد الفلسطيني خسائر كبيرة نتيجة سلسلة الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل ضد هذه الانتفاضة.

فقد طالت الخسائر مختلف القطاعات الاقتصادية ونتجت في أغلبها عن الحصار الذي فرضته سلطات الاحتلال وإغلاق شوارع ومداخل المدن وإخضاع الفلسطينيين لإجراءات مشددة في تنقلاتهم بين المحافظات الفلسطينية وخاصة ذات الثقل الاقتصادي ومنها مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية.

ففي القدس وبيت لحم والخليل بشكل خاص، كان التأثير مباشرًا وخسائر كبيرة في قطاع الأعمال، وتراجع أعداد العاملين داخل إسرائيل والمقدر عددهم بنحو 112 ألفا، نظرا لأن العمال أصبحوا غير آمنين وغير راغبين في الوصول إلى أماكن عملهم، أما قطاع التجارة الداخلية فإن القيود على التنقل بين المحافظات أدت إلى تراجع التبادل التجاري وأعداد فلسطينيي الداخل الذين كانوا يتسوقون من مدن الضفة بنحو ملياري دولار سنويا.

ففي مدينة القدس تحديدا أدت الإغلاقات الإسرائيلية إلى تراجع أعداد المصلين في المسجد الأقصى فأصبحت أسواق المدينة خاوية و60% من محلاتها مهددة بالإغلاق، أما في الخليل نسبة التراجع في قطاع الأعمال في المدينة في ظل الأحداث الأخيرة بلغت 51%، هذه المدينة تشكل ما نسبته 40% من الناتج المحلي الفلسطيني حيث انخفاض عدد الزبائن من داخل المحافظة بسبب الإغلاقات بنسبة 54%، وانخفاض القادمين من محافظات أخرى بنسبة 72%. ناهيك عن تراجع نسبة استيراد المواد الخام بنحو 36%، في حين تراجعت نسبة التصدير بنحو 40%، والمبيعات للزبائن من المحافظات الأخرى بنحو 44%، والمبيعات إلى قطاع غزة بنحو 50 %.

ان الظروف الراهنة أثرت على الحياة الاقتصادية بمختلف جوانبها حيث انخفض الاستثمار الداخلي والخارجي وتراجع الإقبال على الاقتراض من البنوك بغرض الاستثمار ومعظم القروض حاليًا هي قروض استهلاكية لا قيمة اقتصادية لها مما يشكل عبئا على البنوك التي تكلفها الودائع غير المستغلة كثيرًا مع أنها لا تستفيد منها.

في ظل هذا الواقع الحالي سيحاول المواطن الفلسطيني التعايش معه نتيجة تعوده عليه لكن من الضروري وجود ضغط عربي ودولي على إسرائيل لدفعها للاستجابة للقرارات الدولية! والسماح للفلسطينيين باستغلال مواردهم في أراضيهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست