“يا أهلا بيكم، أظن أن الفرق بين الأمم اللي هتلحق بركب الحضارة وتأخذ بالعلم وبين الأمم المتخلفة في القرن الواحد والعشرين هيكون زي الفرق بين القرود والإنسان”

مصطفى محمود، الفيلسوف الذي رأى الغد وجعل من العلم إيمانا ومن الإيمان حياة.

ولد المفكر والعالم “مصطفى محمود” في السابع والعشرين من ديسمبر لعام 1921م في مركز “شبين الكوم” بمحافظة المنوفية لعائلة من الأشراف ينتهي نسبها إلى “علي بن زين العابدين رضي الله عنه” تخرج في كلية الطب عام 1953م وتخصص في الأمراض الصدرية ليتولى رئاسة القسم في مستشفى “العباسية”.

حياته الشخصية:

كان “مصطفى محمود” يميل إلى العزلة، حيث يجلس وحيدا متأملا في الكون مغرما بالمراكب الورقية التي تطفو على “الترع والأنهار” كما يروي هو في حديث للإذاعة المصرية، ويؤكد أن تلك المرحلة هي التي شكلت شخصيته وأفكاره وأن التأمل في هذا الكون جعله يدرك الكثير من الحقائق حول الحياة والموت.

بداياته الصحفية والأدبية:

كان الدكتور “مصطفى محمود” شغوفا بالكتابة والقراءة واستطاع أثناء ممارسته الطب أن يكتب العديد من المقالات في مجلة “صباح الخير” ثم ذاع صيته بعد أن كتب بابا للجمهور تحت عنوان “اعترفوا لي” كان يرد فيها على رسائل القراء حول المشاكل العاطفية والاجتماعية وكان ذلك بداية ظهور مصطفى محمود للأضواء والشهرة، بجانب ذلك الباب قدم “مصطفى محمود” سلسلة من المقالات تحت عنوان “يوميات نص الليل”، وانتهى من أول رواية وهي “المستحيل” والتي تحولت إلى فيلم سينمائي عام 1962م.

أصدر في ذلك الوقت الرئيس “جمال عبد الناصر” قرارا بعدم الجمع بين وظيفتين، وقرر”محمود” أن يتخلى عن مهنة الطب ويتفرغ للكتابة بالمجلات والصحف.

الأزمة بين “مصطفى محمود” و”عبد الناصر”:

في 1962 م كان “مصطفى محمود” وبحكم عمله الصحفي والأدبي ضمن الذين شاهدوا الفيلم السينمائي “محاكمات نورمبيرج” والتي تحكيى قصة النازية ومحاكمة أفرادها حول العالم فكتب عن الفيلم وقصة صناعة الديكتاتور والاستبداد وجاء المقال مصاحبا لرسم للفنان “رجائي” عبارة عن صور صغيرة تمثل الشعب المصري وهم يحملون صورة “عبد الناصر” فجاءت الأوامر بمنع مصطفى محمود من الكتابة.

ويظن البعض أن تلك الأزمة سببت حقدا من قبل “مصطفى محمود” على عبد الناصر، ولذلك نراه مهاجما له في معظم الكتب التي تتحدث عن الشيوعية والسياسية بشكل عام، وهذا غير صحيح. لأن مصطفى محمود بالفعل كان لا يرى في “عبد الناصر” إلا ديكتاتورا لم يأت بنظام جديد وقال جملة شهيرة (أخرج عبد الناصر الإنجليز وأتى باليهود بدلا منهم، وبنى السد العالي وأسقط مقومات شخصية الإنسان المصري).

الهجوم على مصطفى محمود واتهامات الإلحاد:

بعد القرار الرئاسي بمنعه من الكتابة في الصحف تفرغ مصطفى محمود للقراءة والتأليف، حتى أنه قال إن القرار جاء في صالحه, فقد استطاع أن يطلع على الآداب العالمية، وقرأ ألف كتاب في شتى أنواع العلوم، وسافر إلى إفريقيا والصحاري، إلا أن نظرته للحياة بدأت تختلف تماما، ودخل مصطفى محمود في تجربة صوفية وفكرية جديدة فيقول:-

“احتاج الأمر إلى ثلاثين سنة من الغرق في الكتب، وآلاف الليالي من الخلوة والتأمل مع النفس، وتقليب الفكر على كل وجه لأقطع الطرق الشائكة، من الله والإنسان إلى لغز الحياة والموت، إلى ما أكتب اليوم على درب اليقين”.

فقد دخل “مصطفى محمود” تجربة تدعى مرحلة الشك واليقين وهى مرحلة فكرية في حياة الفلاسفة والمفكرين، لكن ارتبطت معه بالدين والإيمان مثلما ارتبطت قبله مع “الجاحظ والإمام الغزالي” وبدأ يفكر في حقيقة الله وطبيعة الذات الإلهية وقرأ عن “الزرادشتية والبوذية واليهودية والمسيحية” وتناسخ الأرواح حتى وصل إلى اقتناع تام بحقيقة هذه الحياة ومصير الإنسان. وهنا ألف كتابا بعنوان “الله والإنسان” أجاب فيه على الكثير من الأسئلة الشائكة والمصيرية ولكن قوبل الكتاب بهجوم شديد من العلماء والشيوخ وأمر “عبد الناصر” بتقديمه للمحاكمة بناء على طلب الأزهر الشريف، لكن المحكمة اكتفت بمصادرة الكتاب والمنع من التداول.

بعد تلك الأحداث لم يتوقف “محمود” عن الكتابة وظل يقدم للثقافة العربية الكتب المتنوعة مثل “العنكبوت، لغز الحياة، شلة الأنس” والكتاب الأشهر “حوار مع صديقي الملحد” الذي ظل يتربع على عرش الكتب المصرية وحظى بشهرة واسعة التداول في جميع أنحاء العالم الإسلامي. وللعلم فإن الصديق الملحد الذي حاوره مصطفى محمود هو “خالد محيى الدين” أحد أعضاء الضباط الأحرار وعضو مجلس الشعب ومؤسس حزب التجمع اليساري، وذلك حسب كلام المقربين من الدكتور محمود.

أزمة كتاب “الشفاعة”:

كان “مصطفى محمود” يعكف على كتاب جديد تحت عنوان “الشفاعة” وهو الكتاب الثاني الذي أثار الجدل في أوساط العلماء والدعاة، فسرد أن مفهوم الشفاعة الحالي سيجعل عموم المسلمين متواكلين على شفاعة “الرسول صلى الله عليه وسلم” دون عمل وعبادات، وأن الله أرحم بعباده من الرسول الكريم، والشفاعة هنا قد تمنح لأشخاص دون آخرين وهو مايعنى التمييز. بالتأكيد يظهر في الكتاب سلامة الفكر الذي يتحدث عنه “محمود” لكنه ظل محل اتهام من العلماء وصلت للزندقة وإنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة وهذا مالم يقصده مصطفى محمود وقد صرح بذلك كثيرا.

العلم والإيمان:

كانت تجربة البرنامج التلفزيوني “العلم والإيمان” بمثابة الإنصاف الإلهي لذلك الرجل، ورغم محاولات العديد تشويه أفكاره واتهامه بالإلحاد، إلا أن البرنامج جاء ليثبت كيف يتعامل مصطفى محمود العالم مع قضية الإيمان، فظل يقدم على مدار 18 عاما 400 حلقة مسجلة عن عجائب وغرائب هذا الكون العجيب، الطريف في الأمر أنه في بداية البرنامج عرض على التلفزيون المصري تسجيل هذه الحلقات، ووافق التلفزيون راصدا 3 جنيه للحلقة الواحدة، وهي ميزانية ضئيلة مقارنة بفكرة البرنامج، وكاد العمل يفشل، إلا أن أحد رجال الأعمال اقتنع بالفكرة وأنتجه على حسابه الخاص، ليصبح أشهر البرامج في العالم العربي والإسلامي.

السياسة ومصطفى محمود:

كان للسياسة دور واضح في حياة مصطفى محمود، فعاش مهاجما من الطراز الأول للنظام السياسي للرئيس “جمال عبد الناصر”، مختلفا مع “أنور السادات”، وغير متفائل مع “حسني مبارك”. وكل الكتب التي نشرها عن السياسة تراه مهموما بالمستقبل ومايحمله من خطورة للشعوب العربية والإسلامية، وللأسف لم ينتبه أحد من المسئولين لتلك التصريحات والأفكار، بل بالعكس حاربته الدولة المصرية وصدرت الأوامر من وزير اللإعلام آنذاك “صفوت الشريف” بإيقاف برنامج “العلم والإيمان” خصوصا بعد الحلقات الخطيرة التي تحدث فيها عن دور “إسرائيل” في أفريقيا وكيف ستتحكم بالدول العربية، والمرحلة السياسية للحروب القادمة المعتمدة على الاقتصاد والعلم، وطبعا كل ذلك لم يرضِ القيادة السياسة التي أرسلت له خطابا على جريدة الأهرام، وكان يكتب حينها مقالة صحفية أسبوعية تطلب منه أن يتوقف عن مهاجمة إسرائيل وخطورة ذلك على “اتفاقية السلام” جراء ذلك اعتزل مصطفى محمود تماما الحياة العامة وتوقف عن الكتابة بشكل واضح.

مصطفى محمود والعمل الخيرى:

أستطاع الراحل أن يؤسس واحدة من أشهر الأعمال الخيرية والتي حملت اسمه “جمعية مصطفى محمود” وساهمت في بناء “مستشفى خيري” ومسجد “مصطفى محمود” الذى ألحق به مركز علمي وجيولوجي، وكان ذلك المركز العلمي والثقافي أحد أهم المراكز العلمية في مصر.

وفاته:

مع نهاية 2003 م اعتزل الدكتور الحياة العامة، خصوصا مع إصابته بالجلطة الدماغية وبداية أعراض مرض “الزهايمر” وفي تمام الساعة السابعة والنصف صباحا يوم 31 أكتوبر عام 2009 م رحل العالم والمفكر الكبير عن عمر يناهز 88 عاما في مشهد سينمائي يودعه الفقراء والرفاق في غياب واضح من مسئولي الدولة والإعلام كالعادة، رحل مصطفى محمود لكن لم ترحل أعماله وأفكاره وجملته الشهيرة “قيمة الإنسان ما يضيفه للحياة بين ميلاده وموته”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست