“التسامح غير المحدود ـ بالتأكيد ـ سيؤدي إلى اختفاء التسامح،إذا مددنا مظلة التسامح اللا محدود لتطال الجميع حتى هؤلاء غير المتسامحين،إذا لم نكن على استعداد للدفاع عن المجتمع المتسامح ضد هجوم اللا تسامح؛فالمتسامحون سيتم تدميرهم،وسيتم تدميرالتسامح معهم. ومن ثمَّ يجب علينا أن نطالب باسم التسامح بالحق بعدم التسامح مع غير المتسامحين”،كارل بوبر يلخص الخطأ الذي ضرب الثورة في مقتل،التسامح مع اللا متسامِح.

يذكر أحد أصدقائي هذا الخطأ بروح من شارك في هذه الثورة،وعايش انتصاراتها وهزائمها، يقول: “كان على يوم 28 يناير أن يكون أسبوعًا للغضب،شهرًا للغضب،سنينًا للغضب؛تسيل فيه الدماء حتى تُملأالفجاج دمًا أحمر”. ضاعت الثورة يوم تسامحنا مع من قتل وعذّب وظلم،ضاعت الثورة يوم جعلنا من أجسادنا دروعًا لنحمي الظالم الذي خرجنا لنثور ضده،الذي اخترنا يوم عيده لنهتف ضد ظلمه وفساده،أخطأنا يوم قتلنا العدالة وخلّفنا وراء ظهورنا سنين الظلام والاستبداد،وتركنا الفرصة لجذور الدولة العميقة أن تتمدد تحت الأرض،حتى وإن سقطت أوراق شجرتها،وتظاهرت بالموت والفناء؛علينا أن ندرك الفرق بين التسامح والسذاجة. ديكتاتورية الثورة كان يجب أن تحكم.

من أحد الألعاب الشهيرة على المقاهي المصرية لعبة “الدومينو”،تحقيق العدالة أو اللا تسامح مع جذور الدولة العميقة أشبه بهذه اللعبة كثيرًا،والقضاء عليها أشبه بحركة “تقفيل الدور”،لعبة واحدة فقط في اللعبة يمكنها فعل ذلك في وقت محدد إذا تأخرت ضاع وقتها،وإذا تسرّعت في استخدامها خوفًا من الخسارة؛ستفقد هذه اللعبة أهميتها،وربما تسببت في خسارتك،كان وقت هذه اللعبة في ثورتنا يوم جمعة الغضب،وضاعت تلك الفرصة ببقائنا في التحرير في صباح الـ 29 من يناير، كان لابد أن نعلن وقتها انتصار الثورة لا أن ننتظر اعترافاً من الدولة العميقة بذلك،الفرق بين هذا الانتصار وذلك،الأول كان سيقتلع جذور الظلم نهائيًا، أما الثاني فكان جزء من انتقام الدولة العميقة ممن ثار ضدها!

هناك ظلم لا يمحوه إلا الدم، تمامًا كالقصاص الذي تخرج منه الحياة،لو كانت هناك فرصة ثانية لثورتنا ستكون الدماء هي السبيل الوحيد لتطهير سنين من الحكم العسكري،ربما يحدث هذا بعد سنين أقل أو أكثر هذا حسب غباء من يقود طرفي الصراع الآن،وهذا ما يوضح سبب رغبة النظام في جعل المعركة صفرية،فهذه ليست معركة الحفاظ على السلطة،فمصر تاريخها حافل بحُكام استمروا حتى موتهم دون احتياج لنصف ما تفعله تلك السلطة! كان من الممكن أن تنتهي ثورتنا دون استدعاء لنموذج الاقتتال الداخلي كسوريا،أو استدعاء القوى الخارجية كاليمن،لكننا سندفع ثمن مراهقتنا الثورية وعسكرة الدولة،سندفع ثمن أننا تجاوزنا تطهير صف الثورة بحجة الاتحاد في مواجهة الدولة العميقة، اللا تسامح لن يطال فقط هؤلاء أصحاب الزي العسكري،بل سيطال عرائسهم الماريونيت التي أطلقوها على صفوفنا لتأكله من الداخل كما تأكل النار الحطب !

ربما فقط ما علينا الآن هو الاستعداد،الاستعداد كما استعد “V”  بطل فيلم “V for Vendetta”،هو لم يسعَ للانتقام،بل سعى لتحقيق العدالة،لم يجعلْه إحساسه بالظلم والقهر وحنينه ليوم الخامس من نوفمبر يستعجل ما يتمناه،استعد عشرين عامًا،لم يحارب وحده،ولم يكن قائدًا،بل كان مُلهِمًا،كان فكرة أينما حلّت؛حلَّ معها تحقيق العدالة،ربما علينا أن نتعامل مع يوم الثامن والعشرين من يناير كالخامس من نوفمبر،بالتأكيد سيكون هذا يوم الانتصار هذا العام،أو العام الذي يليه،أو ربما لن ندركه نحن،المهم أن يوم فرار الظلم كالجرذان سيظل يُلهم كل من أراد تحقيق العدالة،وربما ردد بعضهم بعض الكلمات كالتي رددها “”V ، “Remember, remember the Fifth of November , The Gunpowder Treason and Plot , I know of no reason Why the gunpowder treason Should ever be forgot”

لكن الأهم الآن،هل سنكون على استعداد لعدم التسامح مع اللامتسامحين حينها! هل سننتصر للتسامح ونحقق العدالة في أولئك غير المتسامحين! علينا أن نربي أنفسنا أولا قبل أبنائنا على أن للحق والحرية ثمنا،لكن من الذكاء أن تظل في أذهاننا تلك الكلمات الخالدة لعبد الملك زرزور:”أخذ الحق صنعة وبالأصول”.احفروا في أذهانكم وأذهان أبنائكم أسماء أولئك غير المتسامحين،فإن أخشى ما أخشاه عليكم،أن تضربكم آفة حارة الجبلاوي،آفة “النسيان”،وليعلم اللامتسامحون أننا ننتظر لننتصر،للتسامح باللا تسامح معهم. “فانتظروا إنا منتظرون”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست