هل للفلسفة أي دور إيجابي في عصرنا؟ أم أنها هي السبب في فساد أفهامنا وتصوراتنا عن الذات والكون والوجود؟

طرأ هذا التساؤل في ذهني بعدما قرأت مقالًا مستفزًا بعنوان: “عندما ضلت الفلسفة طريقها“، نشر في صحيفة نيويورك تايمز بتاريخ 11 يناير 2016، كتبه بالشراكة كل من الباحثين روبرت فرودمان وآدم بريغلي؛ وهما أستاذان في قسم الفلسفة في جامعة نورث تكساس الأمريكية.

المقال محاولة شجاعة في نقد الذات، وتتلخص فكرته بأن الفلسفة قبل القرن الثامن عشر كانت مندمجة مع بقية المعارف البشرية بوصفها “أم العلوم”، ولم تنفصل عنها إلا بعد ظهور البحث العلمي المتخصص في رحاب الجامعات، حيث تسبب الميل إلى التخصص في انشقاق ما يتعلق بمجال الطبيعة عن الفلسفة في صورة العلوم الطبيعية (فيزياء، كيمياء، بيولوجيا، طب… إلخ)، وانشقاق ما يتعلق بمجال الفرد والمجتمع في صورة العلوم الإنسانية (علم النفس، علم الاجتماع، علم اللغة والألسنيات، علم الاقتصاد… إلخ).

بعد انشقاق هذين المجالين الحيويين وجدت الفلسفة نفسها في “مأزق وجودي”، خصوصًا بعدما تم التعامل معها أكاديميًّا على قدم المساواة مع التخصصات الأخرى، وأصبحت مطالبة بتأسيس مجالات اختصاصها بصورة منفصلة، وتحديد مفاهيمها الفكرية ومصطلحاتها النظرية ومفرداتها الخاصة ومناهجها في النقد والتقييم، وذلك لترسيم الحدود بينها، وبين التخصصات الأخرى بشكل واضح.

عملية تحويل الفلسفة إلى تخصص علمي ذي معالم مميزة أجبرها على اقتباس التقاليد النظرية الخاصة بالملاحظة والاستقراء والاختبار من العلوم الأخرى من أجل تكوين أطر تفسيرية، تلك الأطر جعلت الفلسفة تظهر بمظهر يوحي بتماسك منهجي حين تقوم بعمليات التقييم المنطقي للإشكاليات المعرفية التي يتناولها الفلاسفة، لكن قياس مدى التقدم المعرفي الناتج عن معالجة تلك الإشكاليات لا يبدو أمرًا متاحًا، خصوصًا بعد انشغال الفلاسفة بمحاورة بعضهم البعض وانعزالهم عن الواقع وعن مشكلات الناس المرتبطة بوقائع حياتهم اليومية.

في ضوء هذه الحقائق الواردة في المقال المذكور أعلاه: هل يمكن القول إن تطور العلوم قد أفقد الفلسفة قيمتها والغرض من وجودها؟ هل الاقتصار على منجزات العلوم الطبيعية والنفسية والاجتماعية يكفي لتحقيق نموذج “الحياة الطيبة”؟ هل يستطيع العلم – بدون الحاجة إلى الفلسفة– أن يخلق إطارًا معرفيًّا يجيب على التساؤلات الأخلاقية المرتبطة بالسلوك الإنساني؟ هل بمقدور العالم المتخصص – في غياب الفيلسوف الحكيم– أن يضع معايير للعدالة ويحدد بدقة: ما الذي نستحقه؟ ولماذا نستحقه؟

الفلسفة في الأصل هي “محبة الحكمة”، ومهمة الفيلسوف تتركز ابتداء في تصحيح المفاهيم ونقد التصورات وترسيخ الفضائل، ومقولاته تشكل فضاء للتفكير في الموضوعات الأكثر ارتباطًا بجوهرنا الإنساني، والتحولات التاريخية للوعي البشري في صورة إدراكه للعالم بطريقة موضوعية نتيجة التقدم العلمي لا ينفي حاجة هذا الوعي للنقد الحضاري المتكرر حتى لا تصبح منجزاته المادية العظيمة سببًا لهلاكه!

تطور المعرفة الحديثة على الصعيد الأبستمولوجي مع حيادها على الصعيد الأخلاقي أكسبها قدرة هائلة على فهم العالم (في جوانبه الطبيعية والمادية)، وفهم الإنسان (في جوانبه الفيسيولوجية والسلوكية)، لكن استخدام هذه المعرفة لفهم الجوهر المركب للإنسان ليس كافيًا لتكوين نسق ثقافي محكم يقدم أجوبة شافية لإشكاليات – كانت وما زالت– موضعًا للجدل والنزاع بين البشر.

النوع الإنساني يتميز بخصوصيات لا يمكن تجاهلها، فهو يتكون من أفراد متمايزين لا يمكن إخضاعهم لقوالب نمطية جاهزة، ولا علاقة لمنظوماتهم الأخلاقية وتصوراتهم الوجودية بالتكوين الفيسيولوجي لأجسادهم، فالإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يؤرقه سؤال الوجود، هذا السؤال جعله يطور نسقًا خاصًا من الرموز والمعاني الذاتية في محاولة لإدراك هذا الوجود بصورة كلية.

لكن الوعي الإنساني لا يعكس العالم الخارجي إلا بصورة انتقائية، فالعقل البشري يكتسب إدراكه للظواهر من حوله عن طريق اختيار عناصر الظاهرة التي يراها مهمة وتجاهل العناصر التي يراها هامشية، والثراء اللامحدود للواقع جعله عاجزًا عن تطوير مفاهيم تمكنه من الإحاطة بتفاصيله بصورة شاملة، هذه الإشكالية في الوعي الإنساني هي ما يوجب إخضاعه للفحص والنقد الفلسفي باستمرار.

“الاغتراب” ظاهرة وجودية تضرب بجذورها عميقًا في وجداننا، والطابع الأنطولوجي لها – بوصفها إشكالية إنسانية بامتياز– هو السبب في فشل التفسيرات العلمية والنفسية لتجلياتها في الفكر والسلوك، ولم تنجح منظومة فكرية في إضاءة الجوانب المظلمة لهذه الظاهرة المحيرة مثلما نجحت المدارس الفلسفية الكبرى؛ مثل المدرسة الهيغلية والمدرسة الماركسية ومدرسة فرانكفورت النقدية والمدرسة البراغماتية؛ وفي هذا السياق يمكن اعتبار بعض إبداعات أدباء القرن العشرين؛ مثل رواية (الغريب) للفرنسي ألبير كامو، ومسرحية (بير جنت) للنرويجي هنريك إبسن، وغالبية أعمال الكاتب التشيكي فرانز كافكا؛ نماذج كاشفة لمعضلة اغتراب الإنسان كوضعية ملازمة للحياة المدنية المعاصرة.

التأويلات المتعددة للمدارس الفلسفية لمفاهيم السعادة والفضيلة والعدالة والحرية، هي انعكاس لحساسية المجال الذي يتناوله الفلاسفة بالتفكير؛ أي: الإنسان في نظرته لذاته وللآخرين من حوله؛ ويعتبر موضوع الفضائل الإنسانية هو “القضية المحورية” التي تتحكم بأفكار معظم الفلاسفة منذ سقراط وحتى يومنا هذا، وإذا كانت الحقيقة في ميدان العلوم تتناسب مع “قوة التحليل والصمود أمام اختبارات التكذيب”؛ فإن الحقيقة في ميدان الفضائل تقتضي الإنصاف وتحقيق العدالة والمساواة بين الناس.

العدالة – كقيمة أخلاقية هي محل نظر الفلاسفة– ألقت بظلالها على الخلافات بين الاقتصاديين! فكل من كارل ماركس (عراب الاشتراكية) وآدم سميث (عراب الرأسمالية) متفقان على أن قيمة العمل في الأصل ملك للعامل “لأنه المولد الأساسي للقيمة”، ولا خلاف بينهما في أن قيمة السلعة من حق من يمتلكها، وقابليتها للمقايضة يجعل قيمتها مساوية لحجم العمل اللازم لإنتاجها، لكن مكمن الخلاف بينهما هو في تحديد مصدر الربح.

فالربح لدى كارل ماركس هو محض “استغلال” للعمال، لكنه عند آدم سميث انعكاس لتوزيع “عادل” للدخل بين مالك الأرض والعامل وصاحب رأس المال، والقطيعة بينهما تمت حين اشترط آدم سميث أن قيمة العمل ملك للعامل فقط في “حال تعذر تراكم رأس المال وغياب الملكية الخاصة للأرض”.

لتوضيح الصورة بشكل أفضل؛ لنأخذ على سبيل المثال التساؤلات التي طرحها مايكل ساندل (أستاذ الفلسفة السياسية بجامعة هارفارد) بخصوص الحد الفاصل بين منطق السوق والفضائل في كتابه الموسوم بـ”العدالة”، والذي يمثل نموذجًا للشك المنهجي والحذر الفلسفي حيث يطرح أسئلة شائكة دون أن يدعي أنه يملك إجابات قاطعة لها، من هذه الأسئلة:

“هل يعتبر إخضاع الفضيلة لمنطق السوق أمرًا جيدًا؟ هل من الممكن تسعير الفضائل الإنسانية وإخضاع قيم كالحب والصداقة والشجاعة لقانون العرض والطلب؟ وماذا عن تأجير أرحام الأمهات أو التبرع بالحيوانات المنوية مقابل نظير مادي أو الاستعانة بجيوش المرتزقة لحماية الوطن؟ وإذا كان منطق السوق حاكمًا للنشاط الإنساني فهل من الممكن مثلًا: بيع الجنسية وحقوق الهجرة؟ بيع الأصوات في الانتخابات؟ عرض الأطفال الرضع في سوق للتبني؟”.

التفكير في الإنسان – كمحور للفضيلة– هي التي جعلت الفلاسفة يهاجمون أخصائيي الهندسة الوراثية حين تحول جسد الإنسان بأيديهم إلى غرض للتقنية والتلاعب الجيني، وهي السبب أيضًا وراء رفضهم لعمليات تعقيم آلاف المصابين بالقصور الذهني والتخلف العقلي، فالفلسفة – فكرًا وممارسة ورؤية– تكرس في غالبية مدارسها وضعية مميزة للإنسان بوصفه “سيد المخلوقات”، أتساءل بعد كل هذا: هل ضلت الفلسفة طريقها؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست