لستُ مَهيض الجناح حتى أعجز عن التحليق من جديد بحقوق شعبي في سماء واحة السلام.
كانت هذه هي آخر الجمل التي قالها لي أسير فلسطيني محرر- تعرفت عليه عبر وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي (الفيسبوك)- بعد الانتهاء من الحوار معه، الذي دار بناء على رغبة مني في توثيق معاناة الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وذلك عن طريق عرض شهادة أسير محرر أسعفنتي شجاعته في التوثيق الأمثل لمعاناة يتعرض إليها آلاف الأسرى الفلسطينيين.

لم يتردد لحظة في الإفصاح عن اسمه في هذه الشهادة، التي تكالبت الكلمات لإرسائها في سطور قليلة، فكانت النتيجة أن الشهادة التي أبلغني صديقي؛ ليست كاملة وتنقصها العديد من التفاصيل، بيد أن نبشي في ذكريات صديقي في سجون الاحتلال بمثابة نكأ في جرح سال منه سيل من القيح؛ لذلك أرجو التنويه أن مجهودي في هذا المقال لايعدو أن يكون بمثابة تنظيم لهذه الشهادة، واختزال للكثير من التفاصيل ، ولكنها لا تخلو من أهم النقاط، فبعد ترحيب صديقي بطلب الإدلاء بشاهدته أدلى بالآتي:

أنا اسمي شكري حسين محمد غنايم، من مواليد عام 1963، فلسطيني من قرية أم الزينات المدمرة – قضاء حيفا – حاليًا من سكان مخيم نورشمس للاجئين طولكرم، التحصيل العلمي خريج معهد الكلية العربية الأردن مهن تجارية تخصص محاسبة سنة 1985، أنتمي إلى منظمة التحرير الفلسطينية والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين منذ عام 1980، بعد رجوعي إلى أرض وطني الحبيب فلسطين عام 1985 تم اعتقالي من قبل قوات الاحتلال الصهيوني على إثر اتهامات من أشخاص فلسطينيين آخرين بانتمائي إلى منظمة التحرير الفلسطينية والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين.

 وبناءً على ذلك تم استجوابي من قبل محققين في سجون الاحتلال، تعرضت لأصناف عديدة من التعذيب الجسدي والنفسي مثال على ذلك: (الضرب الجسدي المتواصل، وجلسات تحقيق متواصلة ومستمرة ليلًا ونهارًا)، وكانت فترة التحقيق أغلبها بزنازين سجن الخليل في ظل البرد القارس، فكنت أجرد من ملابسي الثقيلة لأتلقى موجات البرد العاتية، وبعد ذلك يأخذونني لمكاتب التحقيق المزودة بالمدافئ الكهربائية شديدة الحرارة وتبدأ جولات التحقيق، التي كنت أتلقى ضربًا مبرحًا على إثرها وتنهال علي الشتائم التي تمس بكرامة وشرف الإنسان العربي.

وتستمر الجولات بنفس الوجوه ومع تغير ببعضها، وتتوالى الأسئله المصحوبة بالضربات على أماكن متفرقة في جسدي، لدرجة أنني في بعض الأوقات لم أكن أميز الليل عن النهار، ويترافق مع كل هذا التعذيب الممنهج  حرماني من النوم والراحة أو بعض الأحيان يرمونني بزنزانة صغيرة، أشبهها بثلاجة وكانت تسمى (الأكس) معدومة التهوية والإنارة ولا يوجد بها مرحاض، وفي بعض الأحيان يمكن أن يكون موجود بها تنكة من الصفيح للتبول أو للإخراج، وهذا عندما يحالفني الحظ بدخول زنزانة من هذا النوع، لأنه في أغلب الأوقات؛ كان المحققون يحرمونني من الذهاب للمرحاض، نوعًا من أنواع الضغط النفسي، ولامتهان كرامة الأسير الذي يتبول في سرواله في أغلب الأحوال تحت هذه الظروف القاسية.

بعد هذه الفظاظة التي كنت أتجشمها؛ ليس بالغريب أن يتم منعي من تناول الطعام أو شرب المياه مع استمرارية الضغوط والأسئلة المتواصله لانتزاع الاعتراف تحت ضغط، بل كان يتم محاولة التجسس علي وانتزاع الاعتراف بواسطة مستعربين – يتحدثون اللغة العربية ويتلون القرآن والأحاديث النبوية- لذلك في هذه الظروف المضنية كان علي عدم الثقة في أي شخص.

وخلال فترة التحقيق يتم التهديد بالقتل والإبعاد عن أرض الوطن، أو التهديد بإحضار أشخاص من بني وطني يلقون علي الاتهامات الجزافية، وهذا حدث معي بالفعل، ولكني أنكرت هذه الاتهامات.

كما ينبغي الإشارة إليك أن هذه الانتهاكات التي تعرضت إليها هي لا تعتبر شيئًا إزاء ما تعرضت إليه على أرض الواقع خلال مرتين تم اعتقالي لمدة خمس سنوات ونصف، أنجبت فيها ابني طارق ومحمد قبل اعتقالي في المرة الثانية، وأنا قابع في غياهب السجون، ورغم كل هذا أنا لم أقدم شيئًا نظير ما قدمته عائلتي التي تغص بالشهداء؛ لذلك علي أن أقول إليك  أن الحرية لا تقدر بثمن، وأن الشعب الفلسطيني لا يقهر، فلسطين التاريخية لكل الفلسطينيين وعاصمتها الأبدية القدس.