على من سيشغل رئاسة الوزراء في العراق تقديم رؤية جديدة، وعزم ملموس لحل الأزمات الهيكلية التي أدت إلى اندلاع التظاهرات، وتلك مهمة فشل فيها رؤساء الوزراء السابقون جميعا.

تضاءلت حظوظ رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، في تمديد بقائه في منصبه لولاية ثانية من أربع سنوات، على الرغم من أن العبادي جاء ثالثا في انتخابات مايو/ أيار الماضي النيابية، وكان يعول على عوامل عديدة للبقاء في منصبه، أهمها الدعم الأميركي الذي يتمتع به. وداخليا، كان يأمل في أن يتمكن، في النهاية، من إقناع زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، الذي فاز أتباعه بالمركز الأول، بدعمه لولاية ثانية، على أمل أن توافق إيران أيضا لتلتحق الأطراف السياسية الأخرى بالركب، لتأمين الولاية الثانية. ولكن هذا السيناريو تلقى ضربة مع اندلاع التظاهرات الغاضبة من الأداء الحكومي والفساد والبطالة وقلة الخدمات، إذ فقد الشارع صبره على وعود العبادي المستمرة بالإصلاح، والتي استمرت سنواتٍ من غير أن تتحول إلى حقائق. وعلى الرغم من أن التظاهرات لم تمتلك قيادة، ولا أهدافا سياسية واضحة ثابتة ومحددة، لكنها جعلت موقف العبادي ضعيفا جدا، خصوصا مع لجوئه إلى القمع والتضييق على الحريات في مواجهتها، وهو أمر أفقده كثيرا مما تبقى من شعبيته.
ولكن الضربة المباشرة لآمال العبادي جاءت من السلطة الدينية الكبرى في الوسط الشيعي، وهي المرجعية العليا في النجف ممثلة بالسيد علي السيستاني؛ فقد تحدث ممثل السيستاني، عبد المهدي الكربلائي، في خطبة الجمعة (27 يوليو/ تموز) عما يشبه خريطة طريق سياسية، 
“ستحاول الطبقة السياسية العراقية أن تطيل عملية تشكيل الحكومة”

لتحقيق مطالب المتظاهرين. وشدّد على ضرورة تسريع تشكيل الحكومة، واختيار رئيس وزراء حازم وشجاع، وهي إشارة فسرتها أوساط عديدة دعوة لتغيير رئيس الوزراء. ومع الدعوة إلى تشكيل الحكومة، كانت هناك دعوة إلى المتظاهرين لانتظار نتيجة ذلك، والاستعداد لمزيد من التظاهر إذا لم تتحقق الأهداف. يطول الجدل بشأن علاقة التظاهرات كحركة شعبية بالسلطات الدينية أو علاقة المؤسسة الدينية الأقوى بشؤون الحكم والسياسة في بلدٍ يضم طوائف متعدّدة.
وبالإشارة أعلاه إلى الدعم الأميركي للعبادي، فقد وصل إلى العراق مباشرة بعد خطبة الجمعة تلك المبعوث الرئاسي الأميركي لشؤون محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بريت مكغورك. وكان ذلك تزامنا مهما، حتى وإن بالمصادفة. وتحرك مكغورك على أطراف سياسية مختلفة، من أجل حشد الدعم للعبادي، كما قالت مصادر عديدة، ولكن من غير موافقة المرجعية الشيعية التي باتت في غاية الصعوبة، فلا ولاية ثانية للعبادي.
ستشهد المرحلة المقبلة، إذاً، سباقاً نحو رئاسة الوزراء، ولا بأس هنا من أن نتحدث عن الأسماء التي قد تشغل المنصب بعد العبادي. والمعلوم أن حزب الدعوة الإسلامي الشيعي يسيطر على رئاسة الوزراء منذ عام 2005، عندما شغله إبراهيم الجعفري، ثم نوري المالكي، ثم حيدر العبادي. وقد تكرّر سيناريو محدّد ثلاث مرات، تمثل في إصرار رئيس الوزراء على التمسّك بمنصبه، وعدم تركه إلا بضغوط كبيرة أميركية وإيرانية، لكن ذلك لم يتم إلا بشرط أن يتسلمه عضو آخر من حزب الدعوة. وإذا تكرر هذا السيناريو، كما هو متوقع، فإن أبرز مرشحيْن لخلافة العبادي هما مدير مكتب المالكي السابق، طارق نجم، ومستشار الأمن الوطني الحالي فالح الفياض، والاثنان عضوان في حزب الدعوة، واسمان مغموران

“يطول الجدل بشأن علاقة التظاهرات كحركة شعبية بالسلطات الدينية”

 نسبيا، مثلما كان العبادي نفسه اسما مغمورا حينما صعد إلى رئاسة الوزراء. وكما تم تقديم العبادي حينها بصورة الشخصية البغدادية الوادعة المختلفة عن المالكي، المتجهم والمتشدّد، من المتوقع أن يتم تقديم طارق نجم مثلا بشخصية الزاهد بالمناصب، والتذكير بأنه رفض أن يتولى رئاسة الوزراء عام 2014، عندما عرضتها عليه قيادة حزبه، وبدعم أميركي. كما وقد يتم التذكير بأنه ترك قبلها لفترة محدّدة منصب مدير مكتب المالكي، لأنه رفض سلوكيات نجل المالكي أحمد، المتهم باستغلال النفوذ، في إيحاء يفترض أن طارق نجم شخصية ترفض الفساد. والفساد أمر يثير غضب المتظاهرين والعراقيين عموما. أما فالح الفياض فهو ليس قياديا في حزب الدعوة مثل نجم، لكنه يتمتع بعلاقة وثيقة جدا مع أطراف عديدة، يعمل باستمرار مع الأميركيين والإيرانيين من خلال منصبه، كما وقد قام بزيارات متكرّرة إلى دمشق للقاء بشار الأسد في السنوات الأخيرة. وقد يتم تقديمه للجمهور الشيعي أنه يشغل منصب رئيس هيئة الحشد الشعبي التي تضم الجماعات الشيعية المسلحة، بالإضافة إلى أنه شيخ قبلي لواحدة من كبريات العشائر العراقية، وهي عشيرة البو عامر.
ستحاول الطبقة السياسية العراقية أن تطيل عملية تشكيل الحكومة، من أجل عبور الأزمة الحالية، والتخلص من ضغوط المتظاهرين والمرجعية الشيعية العليا، لكن ذلك لن يكون سهلا. أما الأصعب فهو أن من سيشغل رئاسة الوزراء سيكون عليه تقديم رؤية جديدة، وعزم ملموس لحل الأزمات الهيكلية التي أدت إلى اندلاع التظاهرات، وتلك مهمة فشل فيها رؤساء الوزراء السابقون جميعا.